إن الشريعة جاءت بقدر محدود، وما جعلت للإنسان الفسحة أن يتعبد كيفما شاء، وإنما جاءت عبادات مرسومة لا يستطيع الإنسان أن يخرج عن الطريق يمنة ولا يسرة، فإن خرج ابتدع وأحدث، ولهذا جاءت الشريعة بضبط علم محدود لا يزاد عليه، وإن كانت الزيادة من جهة النظر ممكنة للإنسان بالقياس نظراً، ولكنها من جهة العمل ابتداع ومحاربة لدين الله سبحانه وتعالى؛ فالزيادة في الدين إفساد فيه، والزيادة من أمر الدنيا والعلم إفساد فيه. وجعل الله جل وعلا أعمال البشرية محدودة منضبطة، والزيادة فيها تدل على الزيادة في كسب المعلوم الذي يرجع على الإنسان بفساد دينه ودنياه، ومن نظر إلى أحوال الناس في الماديات من ابتكار كثير من الصناعات وغير ذلك، كالأسلحة التي تفتك بالبشرية، فمن صنع القنبلة النووية والذرية فإنه يملك من العمر الستين والسبعين والمائة، فإذا جعل الله جل وعلا له من العمر أكثر من ذلك ألف سنة وألفين، ماذا يصنع رجوعاً إلى البشر بحياته. وجعل الله جل وعلا للبشر أمراً معلوماً من العلم مقدراً تصلح به حياتهم، فإن زادوا عن ذلك وخرجوا عن ناموس الحياة فسدت الحياة، ولهذا في قول الله جل وعلا: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] إشارة إلى أن عقل الإنسان وإدراكه لا يمكن أن يستوعب الفيضان من العلم، وإنما يدرك شيئاً من جهة إدراكه، وإن أدرك الزيادة عنه لا يمكن أن يدرك التصرف فيه.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم · الصفحة ٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمص ٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي