مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته ، ولما ثبت أن هذا الطريق الذي ذكره الله في القرآن أنفع وفي القلوب أرجح " (1) .
الشيطان والمشركون يقرون بالربوبية
ومن ظن أن المشركين لا يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق وحده فقد جهل القرآن وما كان عليه المشركون .
قال تعالى ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ (الزخرف 78) وقال ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ﴾ [ يونس ] ، وهذه الآية :
إما أن تكون تقريراً في صورة استفهام يفيد تحدي الله لهم بأن يقولوا : نعم نؤمن بأن أصنامنا خالقة معك ، وهم لم ولن يقولوا ذلك .
وإما أن تكون الجملة استفهاماً محضاً ، وهذا غير ممكن .
فهم يعترفون بأن الله هو الرب وحده ثم مع ذلك يشركون به .
وإنما كان شركهم شرك شفاعة وتوسل إلى الله بالصالحين أنبياء وأولياء لمكانتهم ووجاهتهم عند الله ، ومن هذا الباب جرى تعظيمهم والعناية بقبورهم حتى صارت عندهم موطن الصلة بين العباد وبين ربهم .
ولو كان مشركو قريش يعتقدون أن الأحجار والأصنام خالقون مع الله لصار القلم مرفوعاً عنهم لأنه لا يقول ذلك إلا مجنون .
وقد أمر الله رسوله أن يسأل المشركين ﴿ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85 قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ ثم قال ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [ المؤمنون 23 ] .
- وقال قوم عاد لأنبيائهم ﴿ لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [ فصلت 14 ] ، فأثبتوا لله الربوبية مع أنهم مشركون .
- وقال قوم يس ﴿ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ ﴾ فلم يجهلوا أن الرحمن من أسماء الله الحسنى .
- وهذا إبليس يقول ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ وقال ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ [ الحجر 15 ] بل شهد لله بالعزة قائلاً ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
(1) المطالب العالية 1/236 .