تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها هو صاحب الجنة يشهد بربوبية الله قائلاً ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ﴾ فلما أحيط بثمره قال ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ فشهد على نفسه بأنه كان مشركاً بالرغم من شهادته لله بالربوبية .

وقال تعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾ وهذا خطاب عام للمؤمنين والكافرين يثبت لنفسه الربوبية عليهم جميعاً ومن ثم يطالبهم بتحقيق توحيد العبودية أو الألوهية .

ومن هنا تعلم أن سر الخصومة والعداوة بين الأنبياء وبين أقوامهم كامن في توحيد عبادة من يقرون بوحدانيته في الخلق والرزق والإيجاد .

ولو كان الشرك هو اعتقاد خالق آخر مع الله لكان الشرك نادراً والتوحيد غالبا ، ولكن الواقع أن المشركين على اختلاف أصنافهم لا يقولون بخالق آخر مع الله اللهم إلا النادر ، وهذا باعتراف أئمة الأشاعرة كالرازي والشهرستاني .

وحتى المجوس لما قالوا بإلهين زعموا أن أحدهما إله قديم والثاني شيطان صانع للشر وهو حادث كما نص عليه البغدادي في أصول الدين ( ص 71 ) .

وإنما كان أكثر ما وقع فيه المشركون وأطال القرآن في بيانه والرد عليه هو شرك اتخاذ الشفعاء والوسطاء من الصالحين مع الله ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ ودعاؤهم من دون الله .

وكان قولهم ﴿ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ﴾ دليلا على أنهم لم يكونوا يعتقدون فيهم الخالقية ، وقد سجل الله عليهم إقرارهم بأنهم ما يعبدونهم إلا لسبب واحد فقط وهو أنهم يتوسطون بينهم وبين الله ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ .

الربوبية غير الألوهية

التفريق بين الربوبية والألوهية تشهد به اللغة وكتب التفسير :

أما اللغة فتفرق بين كلمة (إله) بمعنى المعبود وكلمة ( رب) بمعنى المالك للشيء والصاحب له .

وكتاب ربنا يشهد بذلك ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ﴾ ذكر الرب ثم المالك ثم الإله ، فهاتان صفتان مختلفتان (الرب) و (الإله) وهذا ليس تكراراً لا فائدة منه وإنما يظهر به التفريق بين الربوبية والألوهية ، إذ لو كان الرب والإله شيئاً واحداً لكان في الآية تكرار تنبو به عن حد البلاغة .

ومن أوجه التفريق الظاهرة في القرآن : تكرر قول الله ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ رَبِّ الْعَرْشِ ﴾ ولم يقل مرة واحدة (إله السموات والأرض) (إله العرش) وإنما خص إضافة التأليه لمن أمرهم بتأليهه وعبادته كقوله ﴿ إِنّمَا إلهكم الله ﴾ .

فالمشركون يقرون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت . لكن المشكلة كانت في دعائهم غير الله واتخاذهم إلهاً آخر معه . وقد احتج الأنبياء عليهم قائلين : إذا كنتم تؤمنون بأن الله خالق السموات والأرض فلماذا اتخذتم من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ؟

? وقد انشغل الأشاعرة والماتريدية بإثبات أن الخالق قديم وأن ما سواه محدث حتى صار محور التوحيد عندهم ، في حين يلاحظ المطالع للقرآن أن مسألة دعاء الله كانت هي محور التوحيد . وكل آيات القرآن تندد بالمشركين الذين يدْعون مع الله غيره ، يؤمنون بالله إذا أشرك به ، ويكفرون إذا دعي وحده كما قال تعالى ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ وبسبب ذلك فارق فتية الكهف قومهم قائلين ﴿ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا ﴾ .

ومن كان في شك من ذلك فما عليه إلا أن يرجع إلى " المعجم المفهرس لألفاظ القرآن " ( مادة دعا ) فيطالع الآيات ليتأكد له أن شرك أهل الجاهلية كان في دعائهم غير الله . وأنهم على جاهليتهم لم يكونوا يجهلون أن خالق السموات والأرض أزلي خالق مدبر وأن ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن .

موسوعة أهل السنة · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة أهل السنةص ٨٥