تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سألهما عما أبقيا وما سألهما عما قدما، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم دائرة الفضل التي قد سبق فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق ممن يأتي بعدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، المد: هو ملء الكفين المعتدلتين، قال غير واحد من العلماء: إن المراد بذلك أن إنفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء قليل من الطعام، أكثر من وزنه من الذهب مما ينفقه غيرهم، لماذا؟ لأن إنفاق هؤلاء يختلف من جهة الدافع عن إنفاق غيرهم، ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب درهم سبق ألف دينار)، وذلك أن الإنسان حينما ينفق إنفاقاً مع الترقب المحض لله جل وعلا والامتثال، ولو كان العمل قليلاً جعل الله جل وعلا ذلك العمل كثيراً. ومن نظر إلى بركة الفعل الذي مكن الله جل وعلا فيه ذلك القرن، وهم خير القرون، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما من حديث عمران بن الحصين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، هذه الخيرية إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها، هل هي خيرية مادية، هل بلغوا من جهة استقطاب ثروات الأرض وإخراج كنوزها حتى فاقوا غيرهم؟ لا، بل كانوا فقراء، هل المراد بتلك الخيرية هي كثرة السكان وكثرة العدد عمن جاء بعدهم؟ لا، بل إنهم عليهم رضوان الله تعالى من أقل الناس في ذلك الزمن، وهل المراد بذلك هو العتاد والعدة الذي يحملونه، فاستحقوا الخيرية عمن جاء بعدهم؟ لا، إذاً: ما هي هذه الخيرية؟ الخيرية هي بصلاح البواطن، فبارك الله جل وعلا لهم في العمل ففاقوا غيرهم بركةً.

ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ولا تتبعوا السبل فتفرق بكمص ١٥