تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غبار وهدير وأصوات غريبة لم تألفها أذنك، رائحة البارود تنتشر، تحفر بيديك في التراب، هل أنت قادر على حفر قبر بقياسك؟ تلهث التلال، تدوسها الدبابات وناقلات الجند، يتحطم كبرياؤها، تطوي جسدها وتلملم عورتها، تلملم نباتاتها وتستعد لسبات لا تعرف مداه، تغلق أجفانها على آخر صورة، تحتفظ بماضيها، بذاتها، تحلم بيوم لا أحد يعرف اسمه وسنته، يوم تفيق من النوم والمرض.

عقدتَ صداقة مع الطبيعة قررت أن تظل في بيتك، في أرضك، الذين حولك وصفوك بالأهبل، ماذا بقي من عقلك إذا احتلت أرضك؟ طوت طائراتهم ودباباتهم آخر ذرة من كرامتك، مقتنع أن ما تفعله الجنون، لكنه يحقق ذاتك ويرضيك، يشعرك أنك تستحق الحياة، أشعلت البراكين في جسدك، في روحك، في كل مكان تراه، طالبت زوجتك أن تلتزم البيت، لا تريد أن تضحي بها، أما أنت فلن تبارح مكانك، لا تستطيع منع نفسك من متابعة الأحداث، الفوضى عنوان كبير، الأفق يحجب الرؤية، خيوط دخانية تلف المنطقة، تأكدت أن المسألة لا مزاح فيها، عليك أن تحتفظ بآرائك في صدرك، ولا تعود لترديدها.

أم حسن تخافك، الوحيد من أهالي البلدة الذي ظل في بيته، هل أنت أفهم من الناس أو أشجع؟ معذورة، تنظر إليك بريبة، وكأن لوثة قد أصابتك، ستبرأ منها بعد الحرب، لكنك تعترف أنك لن تبرأ، وأن شيئاً ما قد هز ملكاتك العليا، لن تعيش هنيئاً، تتمنى أن توقف تفكيرك عن العمل، أن يأخذ إجازة سنوية، منذ أيام وأنت تراقب الدروب والسماء، لا شيء سوى ما تثيره الدبابات من غبار، وما تلقيه الطائرات، أتربة ترتفع في الجو ثم تسقط رماداً، تنظر إلى الدروب الضيقة، أوراق صفر تتناثر، تتقاذفها الرياح، تتطاير كالعصافير، تقفز، تسمع صوت وقع أقدامك، تهش، نظرت إلى التلال الغربية، وراء المرتفعات المواجهة أدخنة تتصاعد، تحجب ضوء الشمس عند الأصيل، ارتسمت التلال عبر آخر شعاع كوجه عجوز معفر بالتراب، التل أدرك بحسه العفوي، أنه سينسلخ عن بيئته وتاريخه، بعد أن صعدت الدبابات هامته، وتركت في سمائه شيئاً من دخانها، ارتفع نواح من قلب الأرض، التي ذرفت ترابها الناعم والتحفت بالدخان والعجاج المتصاعد، رفعت زوجتك يديها داعية:

- يا رب تهزم اليهود!

- اسكتي يا زوجتي كفانا دعاء، المعركة حسمت والدعاء لن ينفعك.

روايات · الصفحة ٩٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٩٩