نظرتَ إلى السهول والتلال وإلى بقايا الشظايا المتناثرة في السهل وعلى طول الدروب، مسحتَ وجففت المطر المنسكب على خديك وصدرك، هنا تستطيع إقامة مملكتك، تحتاج إلى بضعة رجال يقبضون على الجمر، لا يتركون سلاحهم، الحياة محيت من الوجوه، أجساد ميتة لكنها تتحرك، تريد السلامة، ماذا تفعل شجاعتك؟ تشهر البندقية التي أغراك منظرها، تنظر إليها وتغازلها، كما لو كانت إحدى عشيقاتك، تضمها إلى صدرك وتقبلها، جمعت ذخيرة كافية، حتى المدفع جرجرته بعيداً إلى حفرة وخبأته، تمنيت لو تستطيع تفجيره، السيارة القريبة منك حرت فيما تفعل بها، آه لو تعرف قيادتها، تنظر إليها وفي عينيك حسرة، لو كانت ملكك لما احتجت لشيء، ها أنت تجد في طريقك أشياء ثمينة، حلمت باقتنائها في حياتك، لم يكن في حسابك أن الإسرائيليين سيبحثون عنك، ويهزؤون من شجاعتك، لن تسمح لهم بالتطاول أكثر، لديك من الذخيرة ما يكفي لقتال شهر، لم يكونوا أغبياء كما توقعت، جاؤوا يسألونك، أخذوك لتسير أمامهم وتنفذ تعليماتهم، يطلبون منك أن تفتح باب السيارة، ليتأكدوا أنها غير مفخخة، لم يعد لهم حاجة بك، عادوا إليك في اليوم الثاني، وضعوك وسطهم، وأخذوا يضحكون عليك ويحطون من شأنك، بدأت تتمزق من الداخل.
سكت وأنت تحدق إلى وجوههم واحداً واحداً، الضابط حدث عناصره بالعبري، توزعوا يفتشون حول بيتك، أحد الجنود عاد مسرعاً ليسلمه بندقيتك، سألك فأجبت بأنها لك، هددك بالعقوبة، هززت رأسك وفضلت السكوت لتمر الحادثة بسلام، حمدت الله أن الحادثة انتهت عند هذا الحد، طمأنت زوجتك أن الإسرائيليين لن يطرودك، ستظل في أرضك، أما هلالة وحسن اللذان ذهبا مع عمهما، فيمكنهما أن يعيشا في دمشق أو يعودا بعد أن تهدأ الحال، لكن إذا عادا أين سيدرسان؟ فادية وعنود وانتصار ما زلن صغيرات، ذهبن إلى المطبخ لتناول الإفطار، الأم غير مطمئنة، سمعت حركة غير طبيعية، الجنود عادوا من جديد، يحدثون زوجها بالعربي ويأمرونه أن يترك بيته ويغادر إلى دمشق، رأتهم يحيطون به، أحدهم يتقدم منه ويضربه، فما كان منه إلا الرد بالمثل، اختلفت لهجة تهديدهم، سيقتلون أطفاله أمام عينيه إن لم يرحل، سخر من كلامهم، سددوا بدم بارد على انتصار التي تحبو ثم على عنود وفادية، تحولت الطفلات الثلاث إلى كتلة من لحم ودم، ركضت الأم إلى طفلاتها، اختلطت الدماء، توفي الجميع ولم يبق إلا أبو حسن، سددوا إلى قدميه قبل انسحابهم فتكوم فوق الجميع.