تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعر أن السماء ارتفعت أكثر، وأن الأرض اتسعت، وأن الشمس صارت أكثر نوراً، وأن التي تجلس قبالته تملكت خياله، أفقدته اتزانه. حدق إليها، عيناه لا تفارقان جسدها، يراها في مكونات الطبيعة، في كل جميل، تأملها، رآها هائمة في عالم آخر، مد يده إلى جيبه وأخرج هدية، عبارة عن سلسال فضي يحمل الحرف الأول من اسمها، ترددت في قبولها، قال: "اعتبريني تلميذاً يتودد إلى آنسته لتعطيه علامة زائدة، اعتبريني طفلاً يحلم بعطف معلمته الجميلة، يحلم بابتسامة، بمناسبة عيد المعلم أقدم هديتي البسيطة."

تناولتها، فتحت محفظتها ودستها داخلها، نظرت نظرة حنان فيها الكثير من الأنس والمسرة، الكثير من الطفولة التي افتقدتها، فيها عواطف وثورة وتمرد، قررت المغادرة، من غير اللائق أن يتركها تعود وحيدة، عليه أن يوصلها إلى باب البناية ثم يعود إلى بيته وأهله، من باب الفضول دعاها لزيارته، ليعرفها على أمه وإخوته، أجابت بالرفض، قالت:

- أنسيت أين تسكن؟ بأي صفة أدخل بيتك؟ وماذا ستقول لأمك وجيرانك؟ كيف تدافع عني أمام مجتمع لا يرحم؟ صحيح نحن أصدقاء، الغوطة لا تعترف بالصداقة بين الجنسين، ترفض أن يختلي ذكر بأنثى تحت أي حجة أو ذريعة، غداً نلتقي، ستكون هلا معي!

- هل ستعطيك رأيها؟

- لست بحاجة إلى رأي أحد فيك، إنما هي تمر بأزمة وعلينا أن نقف إلى جانبها. ستحدثك عن ذلك. وداعاً!

-13-

الزمن انعكس على حياتك، صرت لا تشعرين بمروره إلا وقت غروب الشمس أو شروقها، تدركين أنه الليل، لا أحد يستطيع أن يهبك نعمة الاهتمام بالزمن، الذي صار كالمكان شاهداً على استلابك، هل يمكن أن يصيرا قاسيين إلى هذه الدرجة؟ تحرك شعور الغربة والألم، الماء في جوفك مرّ، فمك جاف ولسانك قطعة حجر، لعنت الساعة التي احتلت فيها بلدتك، لتغدي نازحة إلى مدينة غريبة عنك، أنت هلا بنت أبي حسن جودة المعروف في الجولان بشجاعته وطول قامته، يحصل معك ما حصل ولم تقم القيامة بعد! جئت إلى دمشق وكلك أمل ألا تخذلك، جئت متحررة، أورثك والدك الاعتماد على النفس، بعد سنة من عملك في التدريس، قررت أن تدرسي ثانية، أن تتقدمي مع الطلاب الأحرار لنيل شهادة الدراسة الثانوية، لتسجلي في كلية الآداب، منذ ثلاث سنوات وأنت تنجحين كل عام، أمضيت السنتين الأولى والثانية في المدينة الجامعية، لم تتخلي عن المبيت فيها إلا بعد طلب أخيك وإلحاحه أن تعيشي معه في بيت واحد في دمشق، ومع ذلك ظلت غرفة باسمك في السكن الجامعي.

روايات · الصفحة ٩٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٩٥