تحرقه نيرانها، يهرب في محاولة لدخول فردوس الروح، فردوس جسدها الماثل في مخيلته، تنتشي نظراته بأطيافها التي يستعيدها لحظة بعد أخرى، سأل نفسه عن مصدر الأفكار التي جاءت في غير مكانها، إنه ينتظرها، ستحضر بعد دقائق، عليه أن يهيئ ذاته لاستقبالها، أن يبتسم، لقد جاءت في موعدها، ترتدي ربيع الغوطة والساحل، دخلا أقرب كافتيريا، شعرا بالدفء، خلعت معطفها ووضعته إلى جانبها على كرسي فارغ، انتشر عطرها، شعر بنشوة، أول مرة يتغلغل عطرها إلى روحه، إلى أنفاسه، أنفاسه تهفو إليها، بدا عليه المرح، تمتم:
عندما تكونين مضرّجة بالياسمين
وفي أحلى أزيائك أتذكر قدرة الله
أؤمن أنه كان في أبهى حالاته لحظة ولادتك
أحس بالنعومة لدى وضعه يده بيدها، بتضاريس جسدها المتناهية في الأنوثة، أطال بقاء كفه في كفها، حدق بها، وعندما لم يجد الكلمات المناسبة للتغزل، سألها عن عطرها، أجابت باعتزاز:
- إنه الياسمين، هل أعجبك؟
- الله، إنه رائع! لقد سحرني.
- ألا تعرف أن السيدة تعرف من عطرها!
- أهو العطر أم الصدر وصهيل النهدين، أم الشعر المصفف بطريقة فنية مغرية؟! الأفضل أن أرفع يديّ وأسلم!
ابتسمت فبدت أكثر جاذبية، وبدا الكون ملعباً للعشاق. قالت:
- كلامك يستبيحني ويهبني قمة النشوة، أحس بكياني وأنوثتي على وقع الغزل، دعني أنسى نفسي، ودع الآلام تسافر إلى مجرة أخرى، لا شيء أمامنا سوى الحياة، التي علينا أن نُبدعها لتظل جميلة.
- أنت إبداع الخالق، دعيني أتفحص مسامات وجهك، أرسم الابتسامة على ثغرك، فما بينك وبين النار والماء لغات مشتركة، فليت كل طين العالم وماءه فرات.
مالت برأسها وتمايل جسدها رهافة وغنجاً، أرسلت حزم ضوء من عينيها، أدرك أن روحها وجسدها يعيشان نشوة اللقاء، في روحها يكمن المرح، يأخذ مداه، عليه أن يواصل استنفارها وتحريض جسدها، تحريضها على الكلام والتعبير عن حالتها، والانفلات من الواقع، من العقل إلى الحلم والخيال: