يختصر حامد لوحات فرات بقوله: «إذا كان الله قد أبدع من الذرات المادة، فإن لأناملك روح الخلق القادرة على تشكيل الذرات».
طالبها أن تتابع طريق الفن، وعدها أن يقف إلى جانبها، ها هو ذا يدفعها إلى إقامة معرض بعد أن صار عندها عدد من اللوحات.
-12-
في صباح الأحد الخامس عشر من آذار عام سبعة وثمانين، التقى بفرات صباحاً، وهما ذاهبان كل إلى مدرسته، قال:
- البارحة عيد المعلم العربي كل عام وأنتِ بخير.
- التهاني مشتركة.
- تهاني بزيادة الرواتب التي صدرت بمرسوم.
- يا حسرة أنا وكيلة وقد لا تشملني، حتى لو شملتني سيصير دخلي تسعمئة ليرة، ماذا تساوي في هذا الزمن الأغبر، الأسعار زادت وقفزت منذ بداية العام، ماذا يفعل الراتب؟ لولا الدروس الخصوصية لبعض تلميذات الصف السادس في مادة الرياضيات، لكان وضعي مأساوياً.
نظر إلى وجهها الرائع، إلى حبات الندى التي تلمع على جبينها، إلى ابتسامتها التي تشف عن كبرياء، سألها عن نوع شهادتها الثانوية، أجابت بكل فخر:
- الثانوية العلمية، مجموع علاماتي أهلني الدخول إلى معظم الكليات العلمية، فضلت الفنون الجميلة، يا حسرتي عمر السعادة قصير، والبقية تعرفها!
تمشي برقة ودلال، كأنها تعبر أرضاً تطؤها للمرة الأولى، كل خطوة مدروسة، وكل حركة توحي بما فيها من أنوثة وجاذبية، تتوسد الشمس شفتيها، تمنح ثغرها نداوة الصباح وأنواره، وترتاح العصافير على أفنان أناملها، في حين يمنح الياسمين صدرها نهاراً كله ربيع وثمر، قبل أن يودعها اتفقا على اللقاء مساء، الشتاء يصارع أيامه الأخيرة، وآذار نسي أنه ملك لفصلين، تمرد على غير عادته، هبت العواصف الباردة، فغدا الكون كبسمة طفل، المطر انهمر خلال الأيام الماضية بكميات كبيرة، شدّ البرد شهر آذار، نسي نفسه، نسي أن يوقظ الأشجار والنيام، أن يغمر الكون في ثلثه الأخير بالربيع والورود، صحا متأخراً، قرر أن يثبت وجوده، فرق الغمامات، عادت السماء إلى لونها الأسطوري.
منح آذار حبه وشمسه في الأيام الأربعة الأخيرة، بينما فرات عاجزة عن منحه الحب، كيف له أن يكتشف تقلبات الطقس على محياها؟ أن يغوص في ماضيها، إذا كان غير قادر على معرفة لون بشرة وجهها الحقيقية، أو لون شعرها، أو معرفة عمرها، أو نمرة قدمها؟ تُفضل أن تطلب نمرة أقل ولو ظل كعبها خارج الحذاء، أما العمر فإنه يتوقف في العشرين.