تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حاولتْ أن تخفف عنها، أن تدخل إلى قلب ابنتها وتكتشف أسرارها، والحزن المسيطر على حياتها، تشاغلت عن أمها، تفحصت مكونات غرفتها، خرجت إلى الصالون، الجدران تحاصرها، تمنع الشمس والهواء، البيت يطبق على صدرها، تشعر بثقله، البيت الذي تجاوزت مساحته مئة متر مربع، تراه زنزانة منفردة! لا أخ ولا أخت ولا صديقة ولا مؤنس، شقيقتها هدى يكفيها بيتها وأولادها، وهلا يكفيها المصائب التي تتوالى عليها، وحامد يكفيه تشرده وبعده عن وطنه، تتناول قلمي الرصاص والفحم، تخربش، ترسم طيوراً سوداً وسط سماء رمادية، ترسم خيمة سوداء وأطفالاً أنصاف عراة يمدون أيديهم تجاه الجنوب، ونساء متوحدات مع الطبيعة ينقلن من أعشابها وخيراتها ما يسد الجوع، وأسلاكاً شائكة... تجلس على الكرسي، تسهر وهي ترسم حتى ساعة متأخرة، فرغت شحنة عذابها، اندست في فراشها، تأتيها الأحلام، صباحاً تفيق مشرقة ريانة، وقد أخذت من الشمس شيئاً من ضيائها، استمرت في الرسم، أربع لوحات جاهزة بعد شهر، صبت فيها فنها، لتكتشف أنها لا تعبر فقط عن حياة حامد بل عن داخلها.

عندما تقرر الرسم، لا تزعج أحداً، ولا تستقبل أحداً، ولا ترتبط بأي مواعيد، حتى شقيقتها هدى التي تزورها وتتطفل عليها، في محاولة لإخراجها من أحزانها ومن أجواء الرسم، لا تفلح، تحاول فتح موضوع أو أكثر، تفشل في استدراجها للنقاش، تقوم لترى ما أنجزته من باب الفضول، مدركة أن شقيقتها تقتل الوقت، تفرغ شحنة الأحزان على الكرتون، أنكرت فرات أحزانها، أخبرت أختها بأن لوحاتها تحمل الأمل، في الأولى إشعاع، وفي الثانية أطفال، وفي الثالثة نساء وفي الرابعة التصميم، فأين التشاؤم؟

- الحق أنك ترسمين ذاتك وانفعالاتك وإن جاهدت لإخفائها، إلا أنها ظاهرة بالنسبة لي.

كادت تبوح بموضوعات اللوحات، التي استمدتها من مأساة فلسطين، نظرت إلى أختها وبلغة تنم عن المرح قالت:

- هل تودين أن أرسم شيئاً منفصلاً عن ذاتي؟

- ارسمي الفرح، المناظر الطبيعية، أي منظر من الغوطة، من دمشق، من بردى، من المرجة وسوق الحميدية والحريقة والعمارة، والأحياء الراقية في أبي رمانة والمالكي وفيلات المزة والقصاع...

- أنا أرسم شيئاً آخر غير دمشق، ولكن دمشق موجودة في كل لوحة!

- إنها أحجية!

- اللوحة لغة لا تصرح عن كل ما فيها، تحتاج إلى جهد وقراءة حتى لا تظل عصية على الفهم.

روايات · الصفحة ٩٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٩٢