لم يكمل الرسالة، أمسكها بكفه، قرر أن يمزقها، لكنه عاد وسواها من التجاعيد التي لحقت بها، طواها ووضعها في مكان آمن لا يد تمتد إليها، تساءل عن جبنه، كيف يكتب لها رسالة وهو يراها في معظم الأيام، عليه أن يسمعها ما يريد مباشرة، فلا شيء أجمل من لغة العيون والشفاه لحظة تبادل الغرام، لكن الحزن المتأصل في قرارة ذاتيهما منعهما، هل هما قادران على تجاوزه؟
بعد صمت رأى أن ما فعله لا يليق به، عليه أن يحترم صمتها وحزنها وآلامها، الآلام ميزة إنسانية دونها يفقد الفرح طعمه ومبرر وجوده، يتحول إلى شيء عادي، ومع الزمن يصير مرضاً وألماً، كما الضحك في غير مكانه والبكاء في موقف مفرح!
بدأت فرات تتعود حياتها الجديدة، في التدريس تنسى ذاتها، تنسى ماضيها وطفولتها، تصالحت مع مأساتها، باتت كلماتها أكبر من سنها، وكأن الله وهبها قول الحكمة، آلمتها كلمات حامد عن اللاجئين، سكبت دموعها التي بللت مخدتها وصدرها، أحست على أمها تفتح الباب وتتجه نحوها، حاولت مسح دموعها والتخلص من آثار الحزن، لم تهبها الفرصة الكافية، لتعود إلى طبيعتها، اقتربت منها وضمتها إلى صدرها تهدهدها وتسألها:
- ماذا يا بنتي؟
- لا شيء يا ماما إنه الحزن الذي يدهمني بعد فقد بابا، أبكي ذاتي وأيامي القادمة، أحياناً تنتابني نوبة حزن وأنا في الصف، أحاول أن أسيطر على ذاتي، فلا أستطيع، أفتعل أي شيء ألهي به الطالبات، بينما أكفكف دموعي وأجففها على مهلي.