تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مات أبو صالح حزناً وكمداً على بيته بعد عشرين سنة من خروجه من وطنه، شعرت أم صالح بالغربة بعد وفاته، قررت أن تشتري قطعة أرض إلى جانب أخيها في الغوطة، أحسَّ حامد بالغربة، لو كان يعلم البون الشاسع ما بين كفر خبية والغوطة لما جاءها، لكنه النصيب أن يعيش فيها، ويشرب من مياهها الملوثة، وأن يلتقي بفتاة مخلوقة من البدر، امتدت يده إلى يد فرات علامة انتهائه من حكايته، إذ بعد ثلاث ساعات من الحديث، اعتذر على إطالته وذكره لتفاصيل قد لا تهمها كثيراً. بفرح قالت:

- لا تأسف يا صديقي. قلبي الذي كان يدق في صحراء قاحلة وأرض مقفرة لم يعد كذلك، ألم تلاحظ مرحي وابتسامتي المطبوعة على شفتي وفؤادي؟ أشعر أنك غزوتني، وأنني أتغيّر. هل تعرف ما الذي غيرني بهذه السرعة؟

نظر إلى عينيها المبتهجتين وقال:

- الحب!

- لم أفهم!

- بل تفهمين. الحب يا صديقتي يغزونا دون مقدمات، وعندما يقرع جدار أفئدتنا نبدأ بالتغيير.

- لم يمض على تعارفنا سوى زمن قصير. أتسمي ما بيننا حباً؟

- أنت تستنزفينني بشكل رائع!

ابتسمت وبدا جسدها أكثر رشاقة وأنوثة، أنوثة تستدرجه إلى حد الرضوخ، تعرف أنه يحبها قبل أن يصرح، فكيف وقد صرح لها في هذه الجلسة؟ لها حذق الحاسة السابعة، عرفت ذلك منذ النظرة الأولى، الغزل يمنحها حبوراً وجمالاً فوق جمالها. تبتسم وتطالبه أن يقول كل ما عنده قبل أن يتركا المكان. الكلمات تهبط إلى جوفها، تترك فيها رعشة وحيرة، فتبدو بتناقضها وشكلها مزيجاً من الربيع والموسيقا، الشمس تنير داخلها فيبدو كل ما فيها مضيئاً.

تغيرت ملامح فرات، بدا الحزن على محياها، نظرت حولها، وجودها مع حامد نبش شيئاً من حياتها، من ماضيها الذي يؤلمها كلما تذكرته، ضغط على كفها، ونظر إلى وجهها، السماء تتبرج بما تملكه من غمامات، أطياف قزحية تظهر في الأفق، لماذا لا تمنحنا الذاكرة إلا الحزن؟ وجهها عكس حالة الجو، دعاها أن تشعل النور في صدرها. بحزن وألم عميقين علقت:

- ماما لا تدرك ما أريد، وهي لا تريدني سعيدة!

- الحب ينتصر يا فرات مع الإرادة.

- لا أريد أن أصل إلى حافة الجنون، فأنا ابنة التجارب. الحياة لا تعطي بقدر ما تأخذ، وها هي ذي تأخذ كل شيء!

روايات · الصفحة ٩٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٨٦