كفر خبية مفتوحة على الحياة، أهلها يمارسون الزراعة، أما الوعرة فتقع في أرض صعبة المسالك حجارتها بركانية مغلقة تماماً، أهلها أشداء ذوو مراس صعب، يعيشون في عزلة، مواردهم الاقتصادية شحيحة، يعتمدون على الرعي والزراعات التي لا تحتاج إلى سقاية، لهجتهم ذات علاقة بطبيعتهم الصلبة، طبيعة خشنة محافظة على تفردها ببعض الألفاظ والنطق. لكن وبعد نكبة فلسطين واستيطان المنطقة الواقعة في مسافة وسط ما بينها وبين قطنا. انفتحوا قليلاً على القادمين الجدد في محاولة للتخلص من عزلتهم ووحدتهم وبناء جسور الثقة والحب مع من حولهم، بدؤوا يبادلون منتجاتهم بطحين الوكالة الأبيض الذي وزع على اللاجئين.
ماذا يفعل أبو صالح، أيظل يحلم أم يتعامل مع الواقع؟ الحدود أقوى من الجميع، بكى وأذعن واندمج في عالم الفلاحين، يشتغل مع بداية فصل الربيع وحتى نهاية الخريف، يرتاح في الشتاء، ينتقل من مضافة إلى أخرى، وأحياناً يستقبل في بيته الساهرين، لم يشعروه أنه غريب، وعندما يتخاصم أطفاله مع أبناء الفلاحين، يقفون إلى جانب أبنائه، يقولون لأطفالهم: «هؤلاء ضيوف والله أوصى بالضيف، الخنازير طردوهم من أرضهم».
عندما بلغ حامد سبع سنوات، قاده والده مع عدد من أطفال كفر خبية للتسجيل في مدرسة وكالة الغوث البعيدة عن البلدة. احتج المدير وقال لأبي صالح:
- ممنوع تسجيل هذا العدد الكبير من التلاميذ السوريين.
- لا ليس ممنوعاً، هم قبل ابني، أتعرف ما فعله أهلهم؟
- هذه يا أبا صالح مسؤولية، على وزارة المعارف السورية أن تفتح لهم مدرسة في بلدتهم؛ نحن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.
- الله يساعد الوزارة يا أستاذ. سجل هذا بعض من كرمهم.
- سأسجل الجميع وأتجاوز القوانين. تكرم يا عم.
صار على حامد والصغار الذين سجلوا أن يقصدوا مدرسة وكالة الغوث في خان الشيح، لم يكونوا الوحيدين الذين يأتون للتعليم من خارج المخيم، هناك تلاميذ من الوعرة ودروشة، كان سعيداً برفقة زملائه، ساعة وربع ذهاباً ومثلها إياباً، صار له أصدقاء يزورونه، يلفون في البساتين ويحصلون على بعض الفواكه، وأحياناً يصلون شرقاً حتى جبل المانع، يصعدونه ليطلوا على الطريق الذي يربط ما بين دمشق ودرعا، يذكرهم بطلائع الجيش العربي يوم جاؤوا محررين لدمشق من العثمانيين.