البحر المتوسط أرسل غماماته وأبجديته إلى الغوطة. دفع بالسحب الكثيفة، لتعود الحياة أجمل مما كانت، لتنمو الأعشاب وتزهر الأشجار وتغسل عفن الشوارع. صوت فيروز ينطلق من مذياع قريب. تذكرا صوتها الملائكي، واحتجاجها حداداً وحزناً على زهور ماتت واقفة وهي تقاوم الأعاصير. فيروز مع سكوتها صمتت كل الأصوات الجميلة، بانتظار الفرح، في هذه اللحظة تكاثفت الغيوم أكثر وبدأت تمطر. فقال: هذه دموعنا ردت لنا. هيا قبل أن نبتل!"
-11-
الغوطة ترتدي أثواباً عدة في وقت واحد، كل ثوب دال على عصر من العصور، قريبة من المدينة لدرجة أن جزءاً منها ألحق بأمانة العاصمة، تمثل تعانق الريف والمدينة ولقاءهما، إلا أنه ظل هامشياً، لقاء يبقي الناس في حدود تفكيرهم وعاداتهم. رجالها يعرفون بعضهم بعضاً، كتلة سكانية متجانسة إلى حد ما، أما على جانبي الطريق العام والطرق الهامة الأخرى، فقد ارتفعت بنايات بطوابقها الأربعة، ضمت الشرفات إلى الغرف، لتحجب ما عداها، ولتصير جزءاً من النوافذ الممنوع على النسوة الاقتراب منها.
أشجار الحور لم تعد تتباهى بطولها أمام علو الأبنية التي تناطح السماء، حتى إن بعضها انهزمت أمام الكتل الأسمنتية والطرق المعبدة، السحب تتدافع، تمر دون سلام، ترقص رقصتها المجنونة على أنغام الموت البطيء، تستقبل الشجيرات تلك الدموع بفرح، غير مدركة أن تلك القطرات هي آخر نواح للطبيعة.
سكنت فرات الفيحاء في طفولتها وصباها، عاشت حياتها بلا تعقيد في مدينة مفتوحة، هي واحة وسط بادية، محطة تجارية، أهلها تعلموا الكثير من مفردات الحضارة، ظنت أن الفيحاء تهب ما حولها كل فنون الحضارة، اكتشفت البون ما بين المدينة وغوطتها، لغتان تمازجتا وانفصلتا، في الأولى صوت العلم والعقل والروح وفي الثانية دوي العصور الوسطى، اعتقدت أن خصوبة الأرض وعلو الأشجار وجمال الطبيعة تدفع سكانها للأمام، تتمسك بعروة الأحلام الخلبية، تحلم بالتاريخ والجغرافية والتراث، بصوت أبيها الذي يدوي في سمعها، تحلم بلقاء يوازي عظمة مدينتها، التي صمدت في وجه الرياح والأعاصير والزلازل، وظلت تفور بالخصب والماء، في هذه المدينة المعطاء تلتقي الشعوب على المحبة، يسافر الزمن ويحمل في جعبته التاريخ، ينسى الناس أنهم أبناء أمم شتى، ينسون كل شيء إلا الحب الذي يوحدهم، فتجمع الفيحاء حضارات العالم في صدرها وتهبه لقاطنيها.