عيناه تدمعان لهذا الموقف النبيل. طيف فلسطين يتراءى في الحلم، في اليقظة، في الدروب الخضراء. ساعدوه في صنع اللبنات التي هي مزيج من تراب وتبن أضيف إليه الماء. فتيات البلدة ساهمن بجلب الماء، كل واحدة تأخذ منديلاً إضافياً وتلفه حتى يصير على شكل إكليل. تضعه على رأسها ليرد ثقل تنكة الماء. شمر أبو صالح عن ساقيه حتى أعلى الفخذ، وشمر جيرانه وأصحاب النخوة، يخوضون بالطين، يعجنونه بالمجرفة، وعندما يصير كتلة عجين. يترك أحياناً لليوم الثاني ليختمر، في صباح اليوم التالي يتسابق الفلاحون للعمل. يصنعون القوالب الطينية التي تتحول إلى جدران لا تهزها الريح، بينما آخرون يحفرون الأساس ويرصفونه بالحجارة، البنّاء يبني اللبنات، يضع بين اللبنة والأخرى الطين الطري، وهكذا يرتفع البناء، الذي يتأكد من جودته كلما أنجز بناء عدة لبنات بميزانه الشاقولي. وهو في العادة يمد خيطه ويرفع المداميك واحداً بعد الآخر، الحماسة تدب بالعاملين، ينسون تعبهم لحظة تمد السفرة. يتناولون كمية من البرغل والبصل، وبعد انتهاء الأكل يحضر الشاي مع علبة تبغ من نوع «تطلي سرت رفيعة» أو علبة «مرجان»، يصل عدد المساعدين إلى عشرة، عشرين، ثلاثين، بل البلدة كلها تنتظر البناء وتساهم به. تزغرد النسوة لدى عقد الأبواب والنوافذ، بعد اكتمال البناء يصلون إلى مرحلة سقف البيت، يمدون جسراً خشبياً بالطول وأخشاباً أقل ثخانة بالعرض. يحضرون القصب وخيطان المصيص، يصعد الصغار ويبدؤون بشد القصب على قصبات سميكة، أشبه بمن ينسج على نول، ثم تمد طبقة من الأكياس والخيش، تليها «الوبلة» تراب مبلل بالماء غير مجبول، ثم طينة السقف والبيت وطرشه بحوارة بيضاء.
أحس أبو صالح بالفراغ يمزقه، بالجبال تطبق على صدره، وبالحنين إلى الدار يقتله، هل يجتاز الحدود ويغامر؟ لا يسأل عن لغم قد ينفجر به أو جندي يطلق النار عليه بحجة تجاوز الحدود، وقد يتهم بالخيانة ويودع في السجن، وإذا استطاع اجتياز الحدود قد يقبض عليه الأعداء ويتهمونه بأنه مخرب! الأفكار السود تراوده، يظل أسير الماضي، روحه متعلقة بأرضه وبيته، هل يذرف الدموع أم يجوب البلاد يندب حظه؟ يوزع حزنه على الطبيعة، يحب السهول والهضاب والمشي في البراري، يظل دائم التجوال في كفر خبية والوعرة، له أصدقاء في البلدتين، يسهر عندهم ويعود إلى أولاده وزوجته آخر الليل، ونظراً لقرب البلدتين فقد جابهما وعرفهما شبراً شبراً.