من يلج إلى نفسيته يتأكد أن هذه ليست الأسباب الحقيقية، أبو صالح يهوى الجمال ويعشق الطبيعة، ولا شيء في تلك المنطقة أجمل من البلدة التي اختارها، أرض مجبولة بالزمرد تشع نوراً وعطراً، نساؤها عقيق، أجسادهن فتية ورشيقة داخل ثياب طويلة وفضفاضة، أعناقهن تصافح الأفق، خدودهن تلوح إلى الحمرة الجميلة، وشعورهن طويلة ناعمة. كم أعجب بفتياتها! وريثات عرش بيزنطة وتدمر. فكر أن يجدد شبابه، أن يصاهر أهلها ثمة فتيات بعمر الورد يقبلن به. يتذكر حمله الثقيل زوجته وابنه صالح، فتعاف نفسه الزواج، ويعود للتفكير بحاله.
لم تكن البلدة التي اختارها نائية، نصف ساعة في السيارة أو أكثر بقليل ويكون القاصد لدمشق في المرجة، تربطها طريقان بالعاصمة، طريق الكسوة مروراً بمرانة والمقيليبة، وطريق المزة المؤدي إلى دروشة ومنها إلى البويضية، كفر خبية واحة مسيجة بالزيزفون والورود والبساتين، من الشرق بستان الشلاح المنظم والمزروع بشكل هندسي بالتفاح، الواحدة قد يصل وزنها إلى ما يقرب النصف كيلو مزّة المذاق، من الجنوب الزيتون الذي يمتد بشكل متقطع حتى الوعرة، وربما أشهرها ما كان يخص عمر آغا، من الشمال بساتين منوعة الثمار، تسقى بمياه آبار ارتوازية، أما الأراضي الواقعة في أقصى الشرق فتزرع بالشوندر السكري أو القطن، إضافة إلى غابة من الصفصاف قرب نهر كفر خباني الذي هو أحد فروع نهر الأعوج.
حل أبو صالح على كفر خبية يحمل صرراً على ظهر حمار. بجانبه أم صالح وخلفه طفله، رحب به أهل البلد، أشفقوا عليه، بدؤوا يتهامسون فيما يجب فعله. يشتمون اليهود الذين طردوه من أرضه، شعر أنه بين إخوته وربعه وسط ترحيبهم، ضمه الفلاحون إلى صدورهم، قدموا ما يستطيعون تقديمه، أعطوه بيتاً من اللبن، رفضوا أخذ الأجرة. صاحب البيت قال له: "اسكن يا أبا صالح حتى تعود إلى بلدك."
لم يكن كلامه مستهجناً، لا أحد توقع أن يظل الفلسطينيون خارج أرضهم أكثر من شهر، لكن عندما طال سكنه في الدار لسنوات، قرر أن يشتري داراً أو يبني واحدة مثل باقي الفلاحين. أعطوه قطعة أرض وقالوا له: "ابن بيتاً لك ولأولادك تظل فيه حتى تعود إلى بلدك."