يصيدون بالفخاخ، يجهزونها ويغطونها بطبقة تراب ناعم، هي في الغالب من بقايا أكوام الخلد المنتشرة، تاركين الدودة ظاهرة. يقتفون أثر الطيور، يتوزعون إلى جماعات لكل منها وظيفة. منهم من يكمن، ومنهم من يداور الطيور محاولاً دفعها صوب الفخاخ، بحركات هي مزيج من رقصات بدائية، تتمثل بالتصفير والتصفيق باليدين والمشي البطيء، هذه الحركات تدفع السرب إلى الأمام نحو الهدف. بعد جهود مضنية تقترب الطيور، أحدها ينقر الدودة، ترتفع كتلة التراب في الجو، يتسابقون. كل يتوقع أن فخه هو الذي صاد، تعاد الكرَّة ثانية وثالثة، يعودون بصيد أو دونه وهم سعداء. يصرون على متابعة ذلك في يوم آخر. هذا في أيام العطل والصيف، أما في أيام الدراسة، فإنهم يحضرون أطباق الورق والخيطان، ليصنعوا طائراتهم الورقية، بعد أن ينهوا ربط الذيل بجسم الطائرة، يدفعونها إلى الجو، ترتفع وتتلاعب بها الريح، تحلق عالياً، يركضون والخيطان في أيديهم، يتسابقون ويراهنون على أيها ترتفع أكثر محاولين منع تشابكهن، وكما يساعد الهواء بالدفع إلى الأعلى، فإنه يسبب تخريبهن، الخوف يترافق مع فرح طفولي، لا ينهيه إلا تمزق الطائرة أو انقطاع الخيط، ينتهي مشهد الفرح، يعودون إلى بيوتهم وكل منهم يحاول الحصول على طبق ورق وخيط بديل، وهذا ليس سهلاً، يكلف بكاء ساعات، وقد لا تجدي الدموع في إعطائه ما يريد، يحسب حساب هذا في المرات القادمة، ليوفر دموعه وصراخه.
نظر حامد إلى عيني فرات المتشوقتين لبقية الحديث، تشكلت على شفتيها ابتسامة بريئة، حدقت بعينيه وبشيء من الارتباك، سألته:
- أما زلت قادراً على صنع طائرة ورقية؟
- أتريدين اللعب؟
- أريد أن أهرب بها.
حلق في الجو كطائرته الورقية، التي أعادت إليه ذكرى السهول الممتدة حول كفرخبية، البلدة المنسية التي اختارها أبو صالح والد حامد محطة لسكناه. لا أحد يعرف ما الذي دفعه لاختيار هذه القرية المتواضعة، التي يعتقد أنها كانت في يوم من الأيام ديراً يؤمه المصلون من وادي العجم، لا تضاهيها في القدم إلا الكسوة وقطنا والوعرة. أبو صالح أحبها على الرغم من عدم وجود أقارب له فيها، وبعدها عن المخيمات والعاصمة. كثيرون ظنوا أنه الزهد أو الابتعاد عن الذين دفعوه بشكل أو بآخر إلى ترك أرضه. قالوا له: "من يبقى تحت حكم العصابات اليهودية خائن!"