تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ركضت إلى والدها وضمته بأناملها المرتعشة، قبلته وقالت: "أنت رائع يا أبي! أنت تدفعني إلى التفوق."

أخذ صورته، قرر أن يشتري لها إطاراً ويعلقها على الجدار، أما فرات فقد بدا عليها السرور وكأنها امتلكت العالم، لم تفارق البسمة شفتيها وهي تتابع الرسم، إنها ترسم منظراً عزيزاً عليها يمثل دمشق، اتضح فيما بعد أنها ترسم المرجة، غاصت تلك الليلة بالألوان والرسم، ولم تبرأ منهما طوال سهرتها، كانت الأثيرة لدى أسرتها، تمتلك صفات والدها الجسدية والفكرية، حتى الفن ورثته عنه، يدللها، تبتسم لمداعباته وكأنها امتلكت الكون، نجحت في الشهادة الثانوية، وذهبت لتقديم فحص مسابقة كلية الفنون الجميلة، رسمت لوحة شاهدها أحد المراقبين، نادى للدكتور الذي راح يتأمل لوحتها بسرور، وقبل أن ينتقل إلى غيرها طمأنها بقوله: "أتمنى أن أراك في بداية العام الدراسي في كليتنا!"

لم تكن أمها مرتاحة لاختيارها، أما أبوها فطار من الفرح، وصار يدعوها بالفنانة، يحاول إقناع زوجته بأهمية الفن التشكيلي ومستقبله الجيد، ذهبت محاولاته أدراج الرياح، هي تنظر إلى الفن على أنه شيء زائد لا حاجة لأحد به، صارحت ابنتها برأيها، وطلبت إليها تغيير فرعها لآخر، علاماتها تسمح بذلك. فرات لم تهتم بما سمعته، فقد أخذت قوتها من موافقة والدها، استمرت في الكلية، حريصة على إقناع أمها، تحاول استمالتها وملاطفتها، تشرح لها أهمية الفرع الذي دخلته وأهمية الفن في حياة الناس والشعوب، تذكرها بكبار الفنانين ولوحاتهم الخالدة، حاولت أن ترسمها، رفضت، لكن أمها خففت تدريجياً من هجومها على الفن، ورضخت للأمر الواقع، لكنها من داخلها لم تكن مقتنعة، وتتحين الفرص للانتقام من الفن.

الحياة تضحك لفرات التي لا تعرف إلا المرح، هائمة مسرورة، الدنيا لا تسعها، عيناها تبرقان فيهما فرح طفولي، أنفاسها وأريجها ينشران المحبة، تتمايل دلالاً بينما شعرها يغازل كتفيها وتتسلل شعرات منه إلى صدرها وظهرها، لجسدها اهتزاز قارب فوق الأمواج، كل ما فيها ينطق بالصفاء والعذوبة، والدها نافذتها على الحياة، مرض، لم يمهله المرض ليفرح بنجاحها إلى السنة الثانية، توفى في نهايات فصل الربيع، مات كل جميل بموته، غادرتها ابتسامتها، فارقها عنفوانها، باتت صديقة الأرق والظلام، صمتت الشوارع والأزقة، تسلل الفراغ إلى صدرها، تسلل الخوف وبدأ يقضم فؤادها، انتهت الذكريات الجميلة.

روايات · الصفحة ٩٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٧٥