تذكر أبو سمير ترقب زوجته لليلة الجمعة بفارغ الصبر، تتزين وتتعطر وتحضر نفسها لسهرة قد تطول حتى الصباح، تعتقد أنها ليلة مباركة، ترفرف فيها روح الإله على المدينة، قاسيون الفتى الشامخ حفيد كنعان وأيل، يحرس عاصمته ويحتضن بيوتها برفق، كما يحتضن الأب أولاده، يرد عنها كل شر، ويظل ساهراً تلك الليلة لا يغمض له جفن، النسوة يعتقدن بأمور أخرى لها علاقة بالحب بين الزوجين، يمنحن جمالهن وبركتهن وأجسادهن في هذه المباركة بملء إرادتهن، ويعتبرن الامتناع عن ذلك يفتت الأسرة ويغضب قاسيون وأجداده، يتفنن في المسامرة والمداعبة والاغتسال، يغتسلن مرات، ويظل الحمام ساخناً طوال الليلة، المياه المباركة تدغدغ تكوينات الجسد، تعيد فتوته وتأججه، من لا تستحم تلك الليلة، لا تستطيع أداء الصلاة أو التفكير بشكل متزن، تشعر بحمل ثقيل، تخمد ويذوي جمالها ولا تسلم من فتك الأمراض، وإذا حملت ولم تباركها المياه، فإن حملها سيكون وبالاً.
للماء لغته وطبيعته اللتان لا يتخلى عنهما، إنه روح الحياة يزرع الخصب والفرح أنى حلّ، لولاه كانت دمشق أثراً حضارياً، بينه وبين المرأة غزل، لا أحد مثلهما متفاهمان، صفات مشتركة تجمعهما، يسبح فوق جسدها، يدغدغ أنوثتها، يبارك خصبها ويزيدها جمالاً ورقة، حتى تصير بشرتها أكثر نعومة، فرات أدركت أهمية الماء وعرفت الكثير عنه، عقدت معه صداقة أبدية فباركها، إذ جمعت إلى جانب رقة الجسد ورهافته الفطنة والنبوغ والأنامل المبدعة وذاك الصوت الرخيم.
كل شيء مع الماء رائع، الأشجار تحني هامتها وتنثر فواكهها، الطبيعة ذاتها تزداد جمالاً، الغوطة تزدهي بثوبها الملون ورقصتها الرائعة، العصافير تبارك عطاء السماء والأرض، تراقب انهمار المطر وهي فرحة، وعندما يصحو الجو تطير مزقزقة محتفلة، وهي أكثر حبوراً من أي وقت.
ذات مساء خريفي وبعد أن تجاوزت الصف العاشر بتفوق، فكرت في مستقبلها. نظرت إلى وجه والدها بشفافية، ابتسمت وهي تتمعن في تقاطيعه، تناولت قلم الرصاص وبدأت رسم وجهه المتطاول قليلاً وأنفه الذي يميل إلى الكبر وشفتيه الرقيقتين، ارتفعت يدها قليلاً لترسم شعره الأسود الناعم الموشى بالشعيرات البيضاء، مع بداية صلع في أعلى الرأس ومقدمته، ظلت تتأمله وترسمه وهو طائع. نظر إلى صورته وقال: "أحسنت يا فرات، أشهد أنك فنانة! لا أمانع في أن تسجلي الفرع الذي تختارينه."