تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أحد يعرف لماذا اختار السيد «راني» أن يكون مكتبه في الغوطة، انتشرت دعايته كما تنتشر النيران في البترول، تدفق الناس يسألون عن صحة ما سمعوه، رأوا بأعينهم كيف يأخذ المودعون أرباحهم في بداية كل شهر، أو تضاف إلى مبلغهم ليتضاعف، تساءلت النسوة عن فوائد الذهب الذي فقد بريقه في صناديق الأعراس، الصاغة فتحوا محلاتهم، استقبلوا اللواتي يبعن مصاغهن، والمصاغات الموروثة من الأجداد، تزاحمن أمام المكتب، دفعن ما معهن من أموال، والمرح يسري في أجسادهن، الذهب المخبأ لا يدر ذهباً ولا فائدة منه، الأموال إذا شغلت تدر ذهباً، يكفي أن أرباحها مضمونة، بارك الله في الأوراق النقدية، في التجارة، الفلاحون تباروا في بيع أراضيهم بالقصبات والدونمات، كل ما قبضوه أودعوه مقابل ورقة مكتوب فيها بعض المعلومات الشخصية، وقيمة المبلغ المودع، وتوقيع مسؤول المكتب، مرت سنون وسمعته كالمسك، توافد الموظفون وسكان الأرياف والمدن إلى مكتبه، وفي جيب كل منهم غلة العمر.

وصل الخبر إلى الدول المجاورة، فجاءت رؤوس أموال ضخمة من الأردن ولبنان، أما موظفو البنوك في دمشق وفي غيرها من المدن السورية، فقد باتوا بلا عمل سوى سحب المودعين لأرصدتهم، وإيداعها عند السيد راني، التي احتلت دعايات منتجاته في التلفاز مساحات جيدة، إذ فاقت الدعايات الأخرى كلها.

حزم الموظفون النقود، وضعوها في أكياس قنب، لا أحد يعرف إلى أين ذهبت. ما بين الواقع والحلم خطوط منحنية تفضي إلى كوابيس، بات المودعون يرونها في مناماتهم، يحسون بالنيران تلتهم أشجارهم وأفئدتهم ونقودهم، تحولت الغوطة إلى جحيم، تمطر الدروب أحزانها، الوجوه مغبرة ومكفهرة، تتكوم أفواج تتلوها أفواج أمام مكتبه، ماذا يفعلون بعد أن أعتقل؟ ماذا يفعلون وقد غادرتهم أحلامهم؟ الألوان الرائعة تحولت إلى لون واحد رمادي وباهت.

لم تعد الجيوب عامرة بالنقود، شاخت الأجساد والأحلام، ناحت الغوطة على أهلها، وناح أهلها على غوطتهم، لطموا وجوههم، ولطمت الأشجار والنباتات حظها العاثر، بينما قهقهة السواقي ذات المياه الملوثة، المودعون يصرحون للمسؤولين في الدولة عن مبالغهم المودعة، والدموع تنهال على خدودهم، اكتظت الدروب بالنائحين، تحولت الغوطة إلى أنثى تندب حظها العاثر ومغتصبها، ازدادت كمية الزفير، تلوث الجو، تلوثت الأرض، ماتت الأشجار واختنقت العصافير.

روايات · الصفحة ٩٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٧٢