النسائم تحرك الأغصان المثقلة بحملها، تتسلل الروائح الذكية، يعبق بها الجو، تصب شمس نهايات فصل الربيع نورها، بؤر ضوء متفاوتة بحسب كمية النور المتسلل من بين الأوراق والأفنان، تتراقص كمياه بركة صافية ألقي فيها حجر، الفراشات تطير وتحط على الورود والنباتات المزهرة، ترتاح من حرارة الجو، تبتعد عن سواقي المجارير، تدخل عمق الغابة، تدخل إلى منطقة هادئة حيث لا تسمع إلا طنين الحشرات وزقزقة العصافير.
حاول الناس نسيان ما حصل، الصمت والظلام يخيمان على الصدور، يعيشون حالة ذهول، سُمع عويل نساء الغوطة، فناحت نسوة أخريات في مدن وأرياف عديدة في سورية وخارجها، ارتفعت رايات سود فوق أشجار الجوز، فالنقود التي تدفئ الجيوب والقلوب، والتي تجعل الثغور مفترة تبخرت في ليلة سوداء.
ذهب المودعون أول الشهر انتظروا من الصباح حتى المساء، ولم يقبضوا أرباحهم ولم يحصلوا على أموالهم، ازداد اللغط وكثرت الدعايات والمواعيد، جاؤوا في اليوم الثاني وفي الأيام التالية، والنتيجة أن أيديهم فارغة، نظروا إلى غوطتهم فإذا الآليات تعاقر أشجارها، بثوان تهوي أضخم الأشجار، فتحيلها من سيدة متفردة في جمالها إلى أكوام من الإسمنت والخراب، بيعت الكنوز، ولم يبق من الخضرة إلا القليل، كثرت الأموال في يد فلاحيها، بعضهم وزع نقوده على أولاده وأحفاده، آخرون وظفوها في مشاريع خاصة، أكبر هذه المشاريع الإغراءات التي قدمها «راني» أربعون بالمئة تصل نسبة الأرباح، هذه النسبة كانت نعمة ونقمة في الوقت ذاته.