غيوم رمادية وسوداء تندفع من الغرب، تملأ السماء، الهبوب يزداد، تدور الزوابع محملة بالأوراق والغبار، تتكاثف الغيوم أكثر، يقصف الرعد، ريح رخوة ممزوجة برذاذ تهب، رفع الناس مظلاتهم، المهربون متمسكون بأماكنهم، وأنا متمسك بمكاني بانتظار فرات، جاءتني باشة، وضعت يدها بيدي، وباليد الأخرى رفعت مظلتها، حشرت جزءاً من جسدها والتصقت بي لنكون تحت مظلتها، دعوتها إلى إحدى «الكافتريات» المنتشرة هناك قرب الجامعة، بحجة المطر وأننا لن نجد طلبها في سوق التهريب في هذا اليوم، اقترحتُ أن نجلس نصف ساعة ثم ننطلق إلى شارع الحمراء لشراء ما تريده من ملابس، رفضت اقتراحي وقالت:
- على أرصفة شوارع دمشق تجد كل شيء، حتى في أسوأ الظروف.
- ما دام هذا رأيك سنقوم برحلة في زوايا التهريب، فإذا لم نجد طلبك هنا، فثمة أسواق تتفوق على هذا السوق، في القابون، السومرية، السيدة زينب، القصاع، مخيم اليرموك... سنذهب إليها جميعاً حتى تجدي ما تريدين.
في سوق البرامكة لم تجد طلبها، في الطريق إلى محطة الحجاز أطفال يتقافزون، ينادون على الدخان الأجنبي وكاسات الشاي وفناجين القهوة والعطور الفرنسية والصحون الصينية، خلاطات الفواكه الإيطالية وساعات اليد التايوانية... ساعة من اللف والدوران، مقابل المؤسسة الاجتماعية العسكرية، قريباً من سبيل الماء وجدت طلبها، خراطة أمريكية وصفتها بأنها ممتازة، بعد أخذ ورد حول السعر دفعتُ مئتين وخمسين ليرة ثمنها، اعتبرتها هدية عيد ميلادها، عرضت عليها استئجار تكسي إلى بيتها، أشفقت عليّ، صعدنا في باص حكومي، همستُ بجملة لا أقصد منها أكثر من المزاح، اثنان طلبا إليّ أن أنزل عند ساحة التحرير، دفعاني باتجاه الباب، إلا أن تدخل فرات أنقذني من ورطتي، نزلا وهما يهدداني بأنني لن أفلت من أيديهما إذا أعدتها، ابتسمتْ وأقسمت نيابة عني، بأنني لن أتفوه بأشياء لا أدرك مدى خطورة البوح بها.
مساء صعدت إلى سطح بيتي، نسيت آداب الغوطة، نسيت أن أصيح وأنبه الجيران إلى صعودي، رأيت مصادفة وجه جارتي المحرم عليّ رؤيته، خرج زوجها يصيح وينعتني بأوصاف لا تليق بابن الشارع، لم يكتف بذلك بل قرع بابي ولقنني درساً في الأخلاق والحفاظ على الجار دون أن ألفظ حرفاً.