تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا اليوم نحس من بدايته، تأخرت السيارة وتعطلت قبل وصولها إلى محطة التوت، اضطررت أن أتابع المسافة إلى ساحة العباسيين مشياً، يصل باص الدوار الجنوبي، أركض خلفه، يقف بعيداً عن الموقف للحظات ويتابع سيره، كأن هذا الصباح قد تآمر عليّ، أخرجت لفافة ثانية وأشعلتها من الأولى، وبدأت أنفث دخانها غير مهتم للتأخير عن الدوام. التلاميذ الآن يصعدون فوق المقاعد أو ينتظرون في الباحة أو عند الباب، أما المدير فيشتم ويسب على هواه، يلعن الساعة التي رآني فيها، وأنا لعنت الساعة التي رأيت فيها وجهه.

نزلت من الباص عابساً مقطب الجبين، استقبلني عارف أيوب بالصياح، قلت في نفسي «لاقِ الصياح بالصياح تسلم» لكنني لم أسلم هذه المرة، وجدت الموجه التربوي بانتظاري سألني:

- لماذا تأخرت يا أستاذ نصف ساعة، أجب دون أن تتذرع بالمواصلات؟

سكت ولم أجب وعندما طالبني بالرد. قلت:

- أنت سألت وأجبت في الوقت نفسه!

- هنيئاً يا أستاذ أيوب بالسيد حامد الذي يرد الإجابة بأسئلة، حضر حالك يا أستاذ لأحضر عندك الحصة الثانية.

- إنه اليوم الأول لتغيير البرنامج الأسبوعي.

وقف القدر بيني وبينه، جاء ثانية بعد عشرة أيام للسبب ذاته، ولسوء حظ المفتش كان صوتي مبحوحاً، بعد أيام عاد مرة ثالثة ليحضر، طوال خمس وأربعين دقيقة وأنا أشرح وهو يسجل ملاحظاته، الصف منضبط ومتجاوب، توقعت أنه سيشكرني، وأن علامتي لن تقل عن خمسة على سبعة، لكن رأي الموجه كان عكس ما توقعت، إنه درس خائب، هناك ست نقاط سلبية مقابل نقطتين لصالحي، كانت النتيجة تأخير الترفيع والزيادة السنوية.

بعد انتهاء الدوام خرجت مشتت الفكر، تملأ رأسي غيوم متفرقة، ما إن تستقر حتى تصيبني بالدوار، تتمدد كالأخطبوط، تبرز تعبيراتها على محياي، ويزحف الحزن إلى قطرات الدم الواردة إلى القلب، أحسُّ بالتعب، أنتظر قريباً من مكان موعدي مع فرات، وأتنقل ضمن الوقت الباقي لقدومها، أمر بالبرامكة حيث تحول «كراج» السيارات المنطلقة إلى المنطقة الجنوبية المحيطة بدمشق إلى سوق للتهريب، البضائع معروضة على الأرصفة، ملابس جنز، كنزات صوفية، أدوات كهربائية، دخان من مختلف الأصناف، يصيحون: «مارلبورو، فايسروي، كنت، ال إم... العلبة بعشر ليرات والكروز بمئة».

روايات · الصفحة ٩٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٦٨