- لا فرح يعلو على فرحك، قسماً سأرقص وأغني كما لم أرقص وأغن في حياتي، همك قصف ظهري، يضرب حظك.
ما زال الفنجان بيد أمي، قلبته وهي تشير إلى التعرجات التي على صفحته:
- هذا يا بنتي طريق الآلام، ستختارينه، وعندما تتجرح قدماك ستعودين كسيرة الجناح، لماذا لا توفرين العذاب وتختارين طريقاً لا أشواك فيه، إن قلت نعم سأكسر الفنجان وأزغرد لتختفي الآلام من حياتك.
- قلت لك يا ماما لا أريد الزواج، سأظل معك، هل تكرهينني؟
- أنت تعاندين سنة الكون!
تأملت أمي بينما غصت في أحلامي، خبرت الحياة واحتضنت الأمواج العاتية، وهأنذا جبل يحتضن الريح والغمام. أنظر إلى الحياة وأنا محصنة بدرس سابق، هل صحيح أنني غير قادرة على تمييز الألوان؟ وأن التعابير المرسومة على وجهي تكشف ما بداخلي؟ يتوالد الفرح في صدري، يستجدي المطر، ليغسل الماضي ويجرف بطريقه كل الأخطاء، أدور حول ذاتي، استجمع حياتي في فنجان قهوة، أدور كحلزون فقد قوته، يثمر الحزن في صدري سواداً، تطاردني الألوان من جديد، أنا الفنانة التي خبرت الألوان، أبدو غير قادرة على الاختيار، الذي إن لم أحسنه هذه المرة ستقذفني الحياة خارج رحمها، أركض صوب الغناء، أحاول التخلص من الكوابيس، التقي بحامد وأنا ذاهلة. هل أنا قادرة على منحه الحب؟ وهل أصارحه بالماضي؟
-7-
أمضي أربع ساعات في الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى البيت، أفقد جزءاً من وقتي بانتظار الحافلة وسط ازدحام شديد لحظة وقوفها، إذ يندفع الجميع اتجاه الباب، الواقفون في الممر أضعاف الجالسين، هرج وصراخ ومشاجرات، ثم في بعض الأحيان التوقف المفاجئ وتعطل الحافلة، أشبه بسير القطار العثماني الذي يتعطل ما بين محطتين، عليَّ بالصبر وعدم الشكوى، فالشكوى لغير الله مذلة، وحتى لا أذل نقلت، لم يكن في حسابي أن ما أتعرض له كل يوم هو رواية ذل.
لم يكن مجيء الحافلة أو وقوفها في المواقف الرسمية هو الإشكال، أحياناً أنتظر ثم لا أجد موطئ قدم لأصعد، وإذا حالفني الحظ وتمسكت بالباب، علي أن أثبت قدميّ وأتمسك جيداً حتى لا أقع، أمزجة مختلفة تعلن عن ذاتها، من الركاب المستعجل واللامبالي والمدعوم، الذي يقرر أن يفعل شيئاً مميزاً ليفهم الناس أنه قادر على ما لا يقدرون عليه، آخرون لا يهمهم سوى الشغب يصدرون همهمات ونكات لاذعة، بعضهم يستغل الازدحام فيقتربون من الجنس اللطيف في عملية غير لطيفة.