في عصر اليوم التالي تسللتُ إلى بيت أختي، فتحت باب القفص، أخرجت العصفور الأول ثم الثاني، طارا، رددت باب القفص، ومن الشرفة رميته إلى الرصيف، حدث هذا دون دراية أحد، انتبهتْ أختي إلى بكاء أبنائها، لحقتني تسألني عن القفص والعصفورين، لم أجب، الأمر لم يعد يعنيني، القفص والعصفوران تصرفت بهما ولن أندم، لكنني تألمت عندما علمت أن العاشق والمعشوق لا يعيشان بعيداً عن القفص، هما بحاجة إلى من يقدم لهما الأكل، والآن إما التهمهما قط جائع، أو اصطادهما طائر جارح، أو وقعا بقبضة من لا يرحم، سأكون السبب في موتهما أو شقائهما، نسيتُ هذه الأفكار السوداء، ذهني مشغول بأفكار أخرى، وليس بي حاجة للألم، إنني مقبلة على حياة جديدة، على علاقة تنسيني كل آلامي، الصمت يداعب ينابيع روحي، الفرح يتسلل إلى أوردتي، يلملم حكايا الحب، جلست جانب النافذة، أتأمل الغوطة وشمسها التي تحولت إلى قرنفلة حمراء، وطرقها الفرعية الترابية، طرق طويلة متعرجة تمتد على جانبيها أشجار الجوز الهرمة، وسواق تتلوى تساير تعرجات الطريق، أو ربما الطريق يسايرها، أطفال ينعمون باللعب، يتقافزون وكلهم غبطة وسرور، أشم رائحة الغوطة، رائحة الأشجار، رائحة الأرض بعد المطر، تولد الحياة ويولد معها تصميم على أن تظل جميلة، دخلت أمي تحمل صينية قهوة، نادتني لأشرب القهوة وتقرأ بختي، شربت فنجاني وناولتها إياه، قلبت الفنجان وهي تنظر إلى عينيّ، رأت فيهما اشتعالاً وبريقاً. قالت:
- خير والصلاة على النبي، أرى شاباً يلاحقك، ينظر إليك بود، نيته سيئة، عندما تقعين في حبه، سيكشف عن نياته، حدثيني يا بنتي، أنت لست بحاجة إلى تجربة جديدة، يكفيك ما مر؟
- ماذا أقول لك يا ماما؟ إنه لأمر جيد أن تخافي عليّ، لكن الأمر ليس كما ظهر لك، اليوم جاء الموجه التربوي، حضر درساً نموذجياً خرج وهو مسرور، أعدّ تقريراً جيداً، قال للمديرة، إنني ممتازة وكنز ثمين للمدرسة، وعدني بالتثبيت، ألا يحق لي أن أفرح؟
- إن شاء الله تتحول أيامنا إلى فرح، الموجه جاء اليوم، أما فرحك البارحة وقبلها أسببه الموجه أيضاً؟ أدام الله الأفراح، هل هناك ما يجلو قلبي غير فرحي بك، يوم آراك عروساً؟!
قالت ذلك وقلبت الفنجان ثانية، تابعت قراءته لتخبرني بأن أمامي طريقين، واحدة معبدة توصلني إلى ابن خالتي، والأخرى كلها وحول تؤدي إلى الغريب.
- لا يا أمي أنت لا ترين الياسمين وأشجار الزينة التي تظلل طريقي، ضحكت أختي وقالت: