عدتُ فرحة، هذه أول مرة أعود مبتسمة. منذ عامين أغلقت الدروب في وجهي، لا أحضر فرحاً، ولا أية مناسبة، أجلس وحيدة في غرفتي أجتر الماضي. هذا اليوم تصرفت بكل لطف، حييت أمي وقبلتها، طوحت حقيبتي في الهواء، وذهبت إلى غرفتي، وأنا أحجل، تفحصت سريري والنافذة وخزانة الملابس ومكتبتي المتواضعة، كل شيء يثير الغرابة. كيف أعيش بغرفة كلها فوضى؟ شعرت بحاجة لإعادة ترتيبها، لحقت بي أمي وهي تحمل حقيبتي، بحركات سريعة علقت ملابسي على المشجب، نظرتُ إلى أمي التي تقف مذهولة عند الباب، بمرح تقدمتُ وسحبتها من يدها لتساعدني في تغيير وضع السرير: "ماذا حدث يا بنتي؟"
علقت بكلمات لم أتوقع سماعها، تصرفتُ وكأنني لم أسمع شيئاً، أسرعت وفتحت النافذة، استنشقت دفقة نسيم عليل. ما بين الواقع والدهشة هددتها إن استمرت في السخرية، سأخرج من البيت ولن أعود إلا ليلاً، أشعرتها أنني مسرورة، وعليها أن تشاركني سروري أو تدعني، بلعت ريقها بصعوبة، غادرت غرفتي وتركتني أرتبها كما أشاء، أرادت أن تعرف ما وراء تصرفي، الآن لا تطمح لنقاشي، كل شيء سيظهر في وقته، امتقع وجهها وبدت عليه علائم الذهول وهي تعود إلى غرفتها.
غازلت يداي كل قطعة في البيت، وغازل فؤادي كل ركن فيه، جاء ترتيبي الجديد لغرفتي ولغرفتها وغرفة الجلوس تعبيراً عن أنوثة شفافة، تركت بصماتي في كل مكان حللت فيه، لم لا يكون التغيير في ذاتي وفي الابتسامة التي تشع على شفتي؟ سألت نفسي والغبطة تلفني، لقد تأكدت الآن أن البيت صورة عني، رؤيتي للأمكنة الفارغة والمشغولة، للمزهريات، لوضع الكراسي. بدا وضع غرفتي دون كرسي وطاولة غير معقول، أحضرتهما من غرفة الجلوس، حاولت ألا أترك مكاناً شاغراً، إذ وضعت وسط الغرفة «طربيزة» ومزهرية كبيرة، وفي صدر الغرفة طاقة ورد، أما النباتات الطبيعية فواحدة في غرفتي والباقي في الشرفة والصالون، أعطيت أختي واحدة والقفص الذي حوى عصفورين عاشق ومعشوق، بقيت أعيد تنسيق الغرفة حتى العاشرة ليلاً، بينما كانت أمي تغط في النوم.