…يتخلل ذلك تناول الطعام، والشاي، والمكسَّرات، والكعك الذي تتفنَّن السيدة عطيات في صنعه، وتباهي بمهاراتها المختلفة في هذا المضمار. يضفي على السهرة سحراً حضور السيدتين عطيات وفريال، وقد تزينت كل منهما وارتدت ثياباً هفهافة جميلة، تضيف إليها قفشات السيدة عطيات جوّاً أليفاً من المرح. لا تخفي السيدتان عطفهما وحنانهما عليَّ، لبعدي عن ذويَّ في مثل سِّني هذه. لكنها - عطيات - لا تنفك عن تشجيعي والتخفيف عني بأقوال من قبيل :
…..(حتى تكون راجل يا أمين الغربة هي اللي تعلمك ..!) يؤمِّن الحضور على قولها. بيد أنهم يعودون إلى صبِّ جام غضبهم على الغربة و(يوم الغربة)، معلنين بأنها غير مستساغة في كل الأحوال، رغم ما يزعم من حسنات لها.. إن كان ثمة لها أية حسنات ..!
…ذات ليلة، وكانت ورديتي فيها تمتد حتى منتصف الليل، اتجهت إلى غرفة الاشارة، البعيدة زهاء تسعمائة متر عن المحطة، يضيء لي ظلمة الطريق ضوء المصباح الأحمر الذي أحمله. جلست على المقعد الخشبي فيها، أحصي الدقائق الباقية على وصول القطار من الشمال. أفكر في الوقت ذاته، في فتحية، متمنياً لو كنت الآن إلى جوارها، بدلاً من هذا المكان الموحش. أشرد بعيداً، إخالني أتحدث إليها، لكني لا ألبث أن أعود إلى حيث أنا، أتذكر الساعة والقطار والدقائق الباقية على وصوله .