…في ذلك الدغل الواقع شرقي غرفة الاشارة، يتناهى إليَّ صوت غير مألوف. لم يكن ذلك حفيف الأشجار، ولا هي تموجات الأغصان التي أعهدها. لكأن أحداً يمشي وسط الدغل الكثيف، مثيراً هسيساً رتيباً، بطيئاً أول الأمر، ثم لا يلبث أن يتسارع شيئاً فشيئاً، إلى أن يصبح عدْواً. أصيخ السمع للتيقن من أن سمعي لم يخنِّي.. حقيقي هذا الذي أسمع وليس وهماً. الحركة تأتي من الجنوب، وحين تصبح قبالة الغرفة تتوقف قليلاً.. يسود صمت أعلق معه أنفاسي.. قبل أن تتابع إلى الشمال. لكنها لا تلبث أن تعيد الكرة على نحو مماثل. عندما سكنت الحركة، للمرة الأخيرة في مواجهة النافذة، سمعت لهاثاً خافتاً متسارعاً.. صحت لحظتئذ مرتاعاً (من هناك ..؟). وفي تلك اللحظة تماماً، وقبل أن أسمع جديداً كانت أضواء القطار القادم من الشمال تطلُّ عن كثب. وحين خرجت من الغرفة أحمل مصباح الاشارة، سمعت الصوت ،من جديد، ولكن عدْواً، هذه المرة، في اتجاه الجنوب. أدرت الزجاجة الخضراء، لأرفع المصباح في مواجهة القطار القادم، ملوِّحاً بحركات الاشارة المعينة. وقفت قريباً من الخط انتظاراً لوصوله. وحين مرَّت بي العربات بضجيجها فوق السكة الحديد، قفزت إلى واحدة منها كما كنت أفعل في كل مرة.
في المحطة رويت ما حدث لعبد الله إمام، الذي أكد لي، بغير اكتراث، أن ذلك لم يكن إلا ضبعاً ..! لم تبد عليه علامات الدهشة التي كنت أتوقعها لمثل هذا الاستنتاج. لكن الرجل أكَّد لي أنه لا غرابة في الأمر. مضيفاً أيضاً بأن ضباعاً تتواجد في أدغال الأشجار في تلك المنطقة، وأنها كثيراً ما تحاول افتراس من تجده في طريقها. لكنها لم تلتهم أحداً بعد ..!
…كان ذلك مثار ضحك ودعابة إبان السهرة في الليلة التالية. الست عطيات وحدها، ظلت واجمة، معظم الوقت، لا تشارك في الحديث إلا لماماً. لكنها هبَّت بغتة لتقول، موجهة كلامها للرجلين معاً، بلهجة لا تخلو من اللوم :
…..(حرام عليكم.. قولوا للولد على اللي حصل.. ابن الناس أمانة في رقابنا.. على الأقل يدير باله من نفسه ..!).
…أطبق الصمت، وساد الوجوم. لكن أحداً لم يحر جواباً. أخذت مني الدهشة مأخذها، وبانت أمامهم في عينيَّ التساؤلات.. والرعب معاً.. عندئذ بادرت (الست عطيات) إلى القول، مصوبة نظراتها إليّ: