تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…ألِفتُ، مداعبات السيدتين عطيات وفريال. كما غدوت أقضي سهرة المساء حين لا يكون لدينا عمل، مع الأسرتين. يتحدثون عن بلادهم وغربتهم وذكرياتهم. الحنين إلى مصر يطغى على أحاديثهم، فأحس بأنني، على الرغم من غربتي هنا في كفر جنِّس، إلا أنني أحسن حالاً من أصحابي هؤلاء. بل إني أكاد أحسد نفسي على هذه النعمة، إذ أنا في رحاب وطني، على أية حال. ويبنا لم تبعد بي الشقة عنها بمقدار ابتعادهم عن أوطانهم. وذات يوم ستكون لي فتحية، كما هي الآن عطيات لعبد المنعم افندي، وفريال لعبد الله إمام. ولكن في دارنا هناك، أو في يافا.. أجل لن نغادر وطننا بحال، وأياًّ كانت الأسباب. تجربة هؤلاء الذين أمامي تؤلمني حقاً. الحزن في أعينهم، والأسى يظلل وجوههم. أرثي لهم.. أحزن من أجلهم. أتساءل : لماذا هم هنا إذن؟ ما الذي يجبرهم على ذلك؟ إذا كان العمل هو السبب، أفلا يجدون عملاً كهذا، أو غير هذا هناك؟

…يتحدثون أيضاً، عن اليهود والانكليز في فلسطين. إلا أن معلوماتهم في هذا الشأن ضئيلة. يبدون مشاعرهم وعواطفهم نحو إخوتهم عرب فلسطين. يعرفون أن هناك مشكلة. ما هي هذه المشكلة ..؟ أصلها ..؟.. خباياها ..؟ هذا كله لا يعرفون عنه إلا القليل. لهذا سرعان ما كانوا يستأنفون حديث الذكريات، بعيداً عن هذه العقدة الشائكة، أو حديث الفن كالسينما والمسرح. حينئذ تطول السهرة وتطول. يمضي واحدهم في التحدث عن فيلم شاهده، أو مسرحية حضر عرضها، ساعة أوزهاءها، فيروي الحكاية من ألفها إلى يائها.. وربما مع إضافات من عنده، كالشرح والتفسير والتعقيب. أستمع إليهم بشغف، إذ إن ذلك جديد عليَّ تماماً. و إذا ما فرغوا من هذه تحدثوا عن أدباء مصر وكتَّابها الأثيرين لديهم. وقد تحتدم معركة فيما بينهم، إذ لكل منهم كاتبه المفضل، فهذا يطري طه حسين، وذاك يمجِّد محمود تيمور. والسيدة عطيات تهوى كتابات توفيق الحكيم.. وقبل هؤلاء جميعاً يؤثر الناظر البديوي كتابات المنفلوطي.. ومجدولين بصورة خاصة ..!

روايات · الصفحة ٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠٨