…- فيم تفكر يا أمين ..؟
…- من غيرك يا فتحية ..؟
…عضت شفتها السفلى، وهي تبتسم، ثم تطرق خجلاً. تضرَّج وجهها بالحمرة القانية، فيما هي تشدُّ طرف ثوبها، أو تعبث بأزراره، تداري ارتباكها. أدركت أيضاً أن ردي كان مباشراً يفتقر إلى التمهيد. انفجرنا بغتة معاً في ضحكة عالية. أسرعنا إلى كبتها قبل أن يسمعها الآخرون. غير أن والدتها سرعان ما أقبلت، وقد بدا عليها أنها لا تريد للقائنا المنفرد أن يمتد أكثر، فقالت بلهجة حانية، لكنها حازمة :
…- إمي.. قومي ساعديني في المطبخ.. يرضى عليكي ..
…نهضت فتحية.. ومعها قلبي الذي ازداد خفقاناً حتى أوشكت أن أسمع وجيبه بأذنيّ. تبعتها نظراتي المتلهفة إلى أن أختفت .
…عقب الغداء، صارحتني العمة أم ابراهيم بأن أناساً تقدموا لطلب يد ابنتها مؤخراً. ثم صمتت، كأنها تنتظر مني تعقيباً على قولها. وجدتني أقول، عندئذ، مرتبكاً و دون تدبر :
…- خالتي أم ابراهيم، سوف أخبر عمي أبو محمد ووالدتي بالأمر. وسوف نزوركم قريباً، إن شاء الله .
…بدا عليها الارتياح، ولم تضف شيئاً. أما فتحية فقد تألق وجهها، ولاح بريق في عينيها، مما أدخل مزيداً من السعادة إلى قلبي. ودَّعتني، مع والدتها عند باب الدار. نظرت إليها ملياًّ، والأسى يلمُّ بي لفراقها.. وفرحة غامرة، لذلك الوعد في عينيها تسري في كياني .
…في شارع جمال باشا، أسير متلكأً، أستعرض ما مرَّ بي قبل قليل صوت فتحية وصورتها لاتبرحان خيالي. أتوقف أمام سينما فاروق. صور ساحرة مثيرة للممثلين في فيلم (رصاصة في القلب).. سينما الحمراء صور أخرى لفيلم اسمه (سلاَّمة القس).. على الرصيف المقابل سينما نبيل.. سينما الرشيد ..مكتبة الطاهر ذات الواجهة العريضة حافلة بالكتب والمجلدات. على امتداد الشارع الطويل، تتوسطه أشجار النخيل العالية، على جانبيه قامت الفنادق والدكاكين ذات الواجهات الزجاجية الجميلة، حافلة بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.. آه يا(يبناي).. نحن هناك نعاني الأمرَّيْن.. وأنتم هنا يا (أهل يافا) ترتعون في هذا النعيم المقيم.. اقسم لأقيمنًَّ هنا معها في مقبل الأيام ..! .
…تتحرك الحافلة في بطء، في طريق الرحلة عبر الشوارع المكتظة بالسابلة والباعة والسيارات. انقباض يتدفق إلى صدري كنسمات خريفية كئيبة وحزن يغشى قلبي، فتوشك أن تترقرق في عيني الدموع.. لا.. لا أريد أن أمضي بعيداً عنها .
- 60 -