تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…أخذت أتردد على منزل العم أبو ابراهيم من حين لآخر، بصحبة العم أبو محمد وحرمه حيناً، وبرفقة ابن العم محمد حيناً، فأيقنوا جميعاً - دون أن يقول لي أحد ذلك - بأنني شغفت حباً بفتحية. وأن الأمور تسير في الاتجاه الذي رسموا منذ البداية. إلا أنني كنت، في كل مرة، أختلق المعاذير لأقاربي، سعياً للتريث بعض الوقت، ريثما أتمكن من مفاتحة والدتي بالأمر. إبان ذلك تخطر لي أفكار مثبطة للعزيمة، منها : كيف أفاتحها؟ ماذا أقول لها وهي التي عودتنا عدم الخوض في مثل هذه الشؤون ذات الحساسية البالغة؟ وأخي سعيد، كيف أفكر في الزواج قبله وهو الأكبر، رغم ماقالته أمي آنفاً؟ ثم من أين لنا - المهر وتكاليف العرس، لا سيما وأن العروس (يافاوية)، فعرسها لن يكون عادياً، كذلك مهرها سوف يكون عالياً. صحيح أن والدتي (وفَّرت)، كما تقول، مبلغاً من حصيلة عملي هنا وهناك، لمثل هذا اليوم الأبيض، دون أن يتناقض هذا مع شعارها (القرش الأبيض لليوم الأسود). إلا أن هذا المبلغ لن يكون كافياً أبداً. نجزِّئ المشكلة إذن.. الخطبة أولاً، تعقبها شهور.. سنة.. سنتان.. إلى أن يتوفر المبلغ المطلوب. ونحن أيضاً ما زلنا صغيرين علىالزواج فلماذا العجلة ..!

…تجرأت ذات يوم، فزرتهم بمفردي، زاعماً لهم أنني كنت قريباً من المكان، ومن ثم لا يليق بي (المرور) دون زيارتهم. أدركت أم ابراهيم، على الفور، الباعث الحقيقي لزيارتي. تبدَّى ذلك في ابتسامتها ذات المعنى الواضح، فيما هي تحّدق إلى وجهي. لكني حمدت لها أن أتاحت لي أكثر من فرصة للتحدث على انفراد - وإن يكن لماماً - مع فتحية. كان واضحاً تماماً أن فتحية مهتمة بي أيضاً، إن لم أقل إنها متلهفة على رؤيتي، وأنها استطالت غيبتي، وهي لهذا عاتبة عليّ. نظراتها، وكلماتها المقتضبة تشي بما في قلبها. لا شك أن هذه النظرات المدققة، تعني أكثر من مجرد استلطاف.

ولكن هل هذا معقول يا أمين؟ أن تحبك بنات يبنا القرويات مثلك.. ربما.. أما هذه (الفتحية) اليافاوية فأمر بعيد الاحتمال.. من قال أن الحياة ليست جميلة رغم كل ما فيها من ويلات ..!؟

…هذا الرداء الكحلي ذوالياقة البيضاء.. أمصادفة كانت ترتديه..؟ والشعر المرسل على الكتفين. هذه السمرة الصافية، مشربة بحمرة وردية شفيفة.. جميلة دائماً.. بل فاتنة.. أود لو أضمها إلى صدري.. لو أحتضنها إلى الأبد.. أقبِّل هذا الثغر الباسم.. كيف تراودني هذه الأحاسيس منذ الآن، إنها أسمى من أن تمسّ..!

روايات · الصفحة ٦٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠٦