تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…المنزل غير بعيد عن الشاطئ، مبنيٌّ على الطراز العربي، جدرانه الحجرية وبوابته من الخشب القديم المتآكل، بسبب رطوبة البحر على الأغلب. هدير الأمواج يصخب عالياً بعد أن كفَّ المطر. أضواء الشارع الواهنة تتراقص على المياه، التي تجمعت فغطَّته حتى بلغت الأرصفة. قطط تموء.. وكلاب شاردة، خرجت بعد أن حبستها الأمطار تبحث عن رزق ساقه الله إليها .

…غاصت أقدامنا في مياه الأمطار التي غمرت باحة الدار، قبل أن نجد أنفسنا في غرفة واسعة، عالية السقف والجدران تكاد تتفجر دفئاً. طفق الرجل (العم أبو ابراهيم) يرحب بنا، وهو يفرك يديه ثم يبسطهما فوق جمر الموقد. يصرُّ عينيه الضيقتي الحدقتين إلى حدٍّ كبير. وجهه الطافح بشراً وعافية، وابتسامته الودود تدخل الطمأنينة إلى القلب. قدمت بعد لحظات سيدة البيت (ام ابراهيم). تدفقت كالسيل عبارات ترحيبها الرقيقة، فأضفت على المكان جوًّا حانياً رؤوماً. أم ابراهيم في عقدها الرابع، نحيلة القوام سمراء، عيناها واسعتان تشعان بريقاً ينبئ عن ذكاء حاد. لحظتئذ فقط عرفت أن أم محمد تدعى (رشيدة). حين اختصتها صاحبة البيت بالمزيد من الترحيب، وهي تناديها باسمها.

…محمد إلى جانبي لايني عن تحذيري بحركة من يده، أو مرفقه أو قدمه، كي أظل صامتاً ودونما حركة أمام الجمع المهيب، لا سيما حين أقبلت من الغرفة المجاورة فتاة في نحو الخامسة عشرة من عمرها. ما إن لمحتها حتى تعلقت نظراتي إليها، كانت أقل سمرة من والدتها، حنطية اللون، استدارة وجهها الرائعة، عيناها كعيني أمها، لكنهما تشعان طيبة وبراءة، شعرها الكستنائي الغزير مرسل على كتفيها وظهرها. ممتلئة الجسم قليلاً، وإن كانت نحيلة الخصر. فستانها الأحمر المنقط بدوائر بيضاء صغيرة، يموج مع حركتها، فيما هي تقدم القهوة. وإذ أحدِّق في وجهها مبهوراً، فيما يدي تمتد إلى فنجان القهوة، دون أن أنظر إلى حيث امتدت يدي، فاندلق فنجان القهوة. ذعرت الفتاة للحظة، إلا أنها ابتسمت، كما فعل أبواها وهما يرددان : (خير ان شا لله.. انكب الشر..)، في حين مال عليَّ محمد ليهمس في أذني ،إثر هدوء الجلبة التي كنت سبباً لها (فضحتنا يا شيخ..!). العم أبو محمد، والخالة رشيدة أيضاً لم يقصِّرا في التخفيف من وقع (الحادث) بغمغمات غير مفهومة.

روايات · الصفحة ٦٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠٢