…تنقضي الاجازة القصيرة. أعود إلى (كفر جنِّس) حاملاً أحزاني.. أمسيات الغربة.. وصحبة الجدران.. وأشجار الكينا.. والرياح العاصفة.. ضجيج القطارات.. وأجراس المحطة.. الاشارات الخضراء والحمراء.. ومصباح الاشارة.. الرفاق وأخوتي.. وأمي والحاجة خضرة.. وروبين في موسمه الأخير الذي مضى.. لم تقم فيه الأعراس كسابقه، ولم تتدفق على شلالات رماله الأفراح والحكايا.. لكأنهم في العام الذي سبق، قد ودَّعوه وداعاً أخيراً.. يا تلك الرمال.. يا تلالاً من ذهب يتلألأ في ضوء القمر.. يا ضحكات الصبايا في العشيات.. وفي السحر.. لماذا ..؟ لماذا ..؟ لماذا ..؟
…لأمضينَّ في أول إجازة قادمة إلى يافا. أرى محمد، لأسمع مزيداً من حكايته مع عطاف ..! سوف أبيت عندهم تلك الليلة. لقد دعاني مراراً إلى ذلك فلماذا لا أفعل ..؟
…المطر المتدفق غزيراً يغسل الشوارع والأرصفة والأشجار. يهتف (العم أبو محمد):
…اللهم استر.. المطر يكاد يغرق الدنيا.. الرعد والبرق لا يكفَّان.. سنة خير ان شاء الله ..
…ثم موجهاً حديثه إليَّ بين الجد والدعابة :
…... يا ولد يا أمين.. لقينا لك عروسة بنت حلال.. تعالي يا أم محمد.. تعالي احكي له على بنت أم ابراهيم ..!
…ترد أم محمد بأنها تعد العشاء. بدا من صوتها أيضاً أن لديها شيئاً سوف تفضي به. قدمت أم محمد العشاء، الذي لم نكد نفرغ منه إلا وكانا قد أقنعاني بأن نذهب لزيارة أقارب لهم في المنشية، لكي أرى ابنتهم التي (لم يخلق مثلها في البلاد ..!). قالت أم محمد بصوتها الرقيق :
….. ماذا نخسر يا خالتي ..؟ نسهر عندهم، تتعرف على ناس محترمين، وعلى البنت أيضاً، ثم نعود. إن شئت خطبناها لك وإن شئت سكتنا، وكان الله بالسر عليماً..!
…قلت في نفسي: حقاً ماذا سأخسر؟ بل دعني (أضحك عليهم) أيضاً، ما داموا مصرِّين على ذلك ..! أما محمد فكأنه أدرك ما يدور في خلدي. ضرب بكفه الثقيلة على ظهري، ليؤكد لي بأنه فهم بأني (آخذهم على قدّ عقلهم) فيما نحن نسير خلف أبويه، لنستقل باص العجمي، ومنها نستقل (حنطوراً). يأمر العم أبو محمد سائقه بالتوجه إلى (شارع العالم) في المنشية .