تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…جلست الفتاة بجوار الخالة رشيدة التي ما فتئت ترحب بها، مطرية جمالها و(حلاوتها)، ناظرة إليَّ بين الفينة والأخرى، كأنها تقول لي (.. انظر إليها أيها الأبله.. ما أجملها ..!). يبدو أن أصحاب المنزل أدركوا الغاية من وراء مجيئنا، في هذه الليلة الممطرة. لا أنكر أني سعدت بهذه الزيارة كثيراً. الدفء يشع من الجمر المتقد في (المنقل) النحاسي اللامع، وعلى ناره يغلي إبريق الشاي النحاسي، يتصاعد بخاره ينشر رائحة القرفة والزنجبيل. الكنبات الوردية النظيفة، والستائر خمرية اللون على النافذة المواجهة. الدفء في الوجوه والعيون.. وفتحية، هذه الفتاة الرائعة، ذات النظرة الوديعة الساحرة، والبسمة الثابتة على الشفتين، لا تفارقهما أبداً. عيناها تضحكان قبل شفتيها، بعفوية إليفة تلامس شغاف القلب، وتستقر في أحنائه .(آه.. لعلهم يقصدون هذه الفتاة.. ما أظنهم كذلك.. فهذه لن يستطيع " قروي" مثلي أن ينالها ..). أهل يافا عرفوا بتعاليهم على القرويين، وكأن هؤلاء أدنى منهم درجة. بل هم يعيبون على من يزوج ابنته إلى (فلاح) ...! إن هم لم يعيروه بذلك أيضاً. لا بد أنهم يتحدثون عن غيرها. المسألة إذن محض مصادفة ليس إلا. قلت في نفسي (اسكت يا ولد.. وخليك على قدَّك.. والزم حدودك.. فما أنت إلا فلاح وابن فلاح أيضاً ..!).

…ما فتئت (فتحية) غادية رائحة. تغيب قليلاً في الغرفة المجاورة، لتعود حاملة حيناً أطباق الفاكهة، من يرتقال وتفاح وموز، وحيناً كعكاً ومعمولاً، وحيناً ثالثاً صحون المهلبية، وقد رشَّ على سطحها مالا أعرف من مشهيات، ذات رائحة زكية. تسمَّرت عيناي على حركاتها الرشيقة، لا سيما (فستانها) الهفهاف، المتماوج عند أطرافه، وصدرها الناهد بكبرياء، فيما كان القوم منهمكين بوصف مزايا البرتقال اليافاوي والموز الريحاوي ..! أو تبادل الهمسات بين أبو ابراهيم والعم أبو محمد، من جهة، وأم ابراهيم والعمة رشيدة من جهة ثانية. بدا لي أن محمد شاركني الاعجاب بالفتاة، حين انتهز فرصة انشغال (الكبار) بأحاديثهم الهامسة، لكي يهمس بدوره في أذني قائلاً :

…- هاه.. ما رأيك ؟

…- رأيي في ماذا يا محمد ؟

…كانت ضربته أشد في خاصرتي هذه المرة وهو يقول بغيظ :

…- علينا؟ قل لي أعجبتك يا ملعون ..!

روايات · الصفحة ٦٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠٣