تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لم تحر جواباً، أطرقت برأسها، و ترقرت دموع في عينيها، ثم أجهشت باكية، بصوت خافت. حاولت إخفاء دموعها وكبت انفعالها، لكن نشيجها انفجر بغتة رغماً عنها. راعني ذلك بقدر ما أثار في نفسي من الحيرة والحزن معاً. ماذا أستطيع أن أصنع كي أوقف دموعها. كان واضحاً أنها لا تريد هذا الزواج.. لكنه من السخف بمكان أيضاً أن يخطر لي أولها أن زواجاً يمكن أن يتم بيننا. بل إنه الجنون بعينه أن يفكر من هو في مثل سنِّي في شأن كهذا. صحيح أن زيجات تمت في القرية لمن هم دون سن الزواج بكثير، لاسيما بين أبناء العائلة الواحدة المنذورين منذ الولادة.. فلان لفلانة.. وما أن يبلغا السادسة عشرة، دونها أو فوقها، حتى يبادر الأهل إلى إتمام ذلك الزواج القسري المبكر..! حدث مثل هذا لعدد من رفاقي فور مغادرتهم المدرسة أبناء أبو عون والجمل والهمص. ولكن حالتي مختلفة.. ظروفنا المعيشية أيضاً.. الأمر مستحيل تماماً، فلِمَ أمينة حزينة وباكية؟ ولماذا أنا منقبض النفس؟ ولأعترف بأني حزين أيضاً.. لماذا ؟

…بيد أن هذا يحدث دائماً. رعى الله أياماً خلت.. أين أنت الآن يا (مريم)؟ في أي ركن من الحارة الشرقية أنت الساعة، وماذا تصنعين؟ هل كبرت حقاً وأمسيت امرأة لها زوج وأبناء؟ أتراك نسيت تلك الأيام.. عذوبتها.. براءتها.. أم تراك تذكرين؟ .(ميّ) في أي الديار أنت الآن؟ هل غدوت شابة يؤم بيتها خطاَّب وطلاَّب ..؟ أم تراك أنت أيضاً أمسيت امرأة في بيت هناك، رهينة الواجبات المنزلية.. والعم والحماة؟ إشراقة محياك، والبسمة الطروب على شفتيك، والنظرة الساحرة اللعوب في زرقة عينيك.. وشعرك الذي لا يهدأ، كشلال من حرير، تحركه لفتات جيدك الناصع الجميل، الذي لا يستقر على حال أبداً.. أو لست يا مي فوق ذلك العادي المألوف ..؟ آه يا مي.. يا حبيبة الطفولة.. وأليفة الأيام الخالية ..! لماذا يحدث هذا، نفقد أحباءنا لهذا السبب أو ذاك. ولكننا نفقدهم دائماً.. موتاً أو فراقاً، أو حتى زواجاً.. !

روايات · الصفحة ٦٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠٠