تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…ما إن حلَّ اليوم الأخير من الأسبوع الأول، الذي طال واستطال حتى حسبته شهوراً، أو قل عاماً، بفصوله الأربعة، حتى هرعت إلى القطار المتوجه إلى الجنوب، في طريقه إلى رفح، مروراً بيينا نحو العصر. بدا لي الطريق طويلاً، لاسيما وإن القطار يتوقف، من حين لحين، عند واحدة من المحطات في طريقه. أنظر من النافذة إلى السهول والقرى والمزارع والحقول المترامية على مدى البصر حتى الأفق في كل اتجاه. أعمدة البرق والهاتف المنصوبة على امتداد السكة.. وأشجار الكينا الكثيفة، تكرُّ سريعاً إلى الوراء. بببطئ القطار فتبطئ معه، وتزداد سرعتها كلما زادت سرعته. أتلهَّى بها، أحاول عدَّها.. أخطئ فأعود من جديد.. تلك هي محطة يبنا الحبيبة تلوح من بعيد.. تقترب.. جرس المحطة.. يدق.. الاشارة (السمافور) الحمراء تهبط، لتحل محلها الاشارة الخضراء، فيعبرها القطار متهادياً، وقد تغيرت نغمة نفثه للبخار، واحتكاك عجلاته بالسكة الحديد.. ها هو ذا يتوقف أخيراً لاهثاً مرسلاً فحيحاً متعباً ..!

…أقفز سريعاً خشية استئناف سيره وأنا على متنه.. أتأمل المكان لحظات من حولي.. كأنما أتأكد من أني حقاً في أرض يبناي، وأن هذه هي محطتي.. بغتة أجدني أعدو، ملوِّحاً بالحقيبة الصغيرة في يدي.. أختصر المسافة والزمن معاً للوصول إليها ..

-58 -

…فوجئت لدى عودتي من (كفرجنِّس) بأن أمينة قد خطبت لابن عمتها خالد. ألمَّ بي الضيق، واعتراني إحساس غريب، كما لو كنت أفقد عزيزاً. ذلك على الرغم من أني لم أفكر يوماً، على محمل الجد، بما كان يردده أهلنا على مسمع منا، حول مسألة الزواج السخيفة هذه. حتى الاسم كان موضع تندر ودعابة (أمينة لأمين وأمين لأمينة)، حتى أوشك الأمر أن يبدو حقيقة لمن حولنا. والآن ها هي ذي أمينة ليست لأمين ..! حين نظرت إليها، كي أبارك لها خطبتها إلى ابن عمتها، أشاحت بوجهها عني، دون أن تقول شيئاً.. ولكن حزناً دفيناً بدا في عينيها الذابلتين :

…- ما بك يا أمينة ..؟ ألا يفرح الانسان في مثل هذه المناسبة؟ مبروك يا أمينة ..!

روايات · الصفحة ٥٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٩٩