…حاول الرجلان، وزوجتاهما - والحق يقال - منذ اليوم الأول إخراجي من عزلتي، وضمِّي إلى أمسياتهما. عزوا امتناعي إلى خجل ينتابني، أو تهيُّب للرجلين اللذين يكبرانني عمراً و وظيفة. تقدم لي إحداهما شيئاً، وتقدم الأخرى شيئاً آخر، كوباً من الشاي أو عصير الليمون، فطيرة مما صنعت ذلك اليوم، فنجاناً من القهوة ممزوجاً بالحليب. أحصل على طعامي من المقصف (الكانتين) الملحق بالمحطة، علبة سردين، أو قطعة من جبن (القشقوان). أما الأشياء الكثيرة الأخرى والمغرية المعروضة في واجهته، والمرصوصة على الرفوف، فلا قبل لي بشرائها، ومن ثم لا يعنيني التفكير فيها .
…(الست عطيات) زوجة الناظر، مرحة، ذات شخصية جذابة، وإن بدا أنها متعسفة. تحسن الحديث.. صاحبة سطوة من نوع محبَّب إلى النفس، تقدم لي كعكاً، وهي تقول بلهجة آمرة، ترافقها ضحكة رنانة، صادرة من قلبها :
…- تفضل كل يا سي أمين.. بقول لك كل أحسن لك ..!
…ولدى بادرة تردد أو تمنع من جانبي تصيح بي :
…- قلت لك إيه ..؟ يا لله اسمع كلامي.. أنا زي أمك ..!
…أبتهج لحديثها، وأحس حقاًّ بأن لي أماً عطوفاً هنا أيضاً. أبتسم لها. قائلاً بين الأحجام والإقدام:
…- حاضر يا ستي.. حاضر ..
…- أيوه قول كده ..!
…- وهل يستطيع أحد أن يعصي لك أمراً يا ست عطيات..؟
…- تقصد أيه يا افندي ..؟
…- أبداً.. و الله ..
…(الست فريال) امرأة في العشرينات، سمراء واسعة العينين، ذات وجه مستدير دقيق الملامح، شعرها الفاحم الناعم يترامى على كتفيها وحتى منتصف ظهرها. تتأود في مشيتها لامتلاء في جسدها. صوت (قبقابها) يرن موقعاً على الأرض الحجرية الظليلة، مع حركتها الدائبة معظم الوقت .
…كانت أكثر حرصاً في حديثها إليّ من السيدة عطيات. ربما كان مردُّ ذلك إلى توصية أو تنبيه من قبل زوجها عبد الله.. أو أن التحفظ سمة من سماتها.. من يدريني ..؟