تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…في (كفر جنِّس) الغربة حقيقية. المسافة بعيدة.. الوحدة الموحشة.. لا سعيد ولا أحمد أو علياء.. لا نعيم ولا أمينة.. وأسبوع أمضيه بأكمله بعيداً عنهم. كيف تراه يمضي هذا الاسبوع. بيني وبين نهايته أيام ستة بلياليها. بل بساعاتها ودقائقها.. وما من أحد حولي سوى هذه الأشجار والخط الحديدي والمبنى العتيق.. بحجارته السوداء.. والقطارات العابرة من حين لحين. يعُّم بعد إقلاعها السكون، تزيده النسمات الباردة وحشة وكآبة .

…الناظر (عبد المنعم البديوي) اعتاد الدقة والصرامة بحكم عمله ناظراً، على مدى سنين طويلة. حركة القطارات، ومواعيدها التي يفضي الاخلال بها إلى كوارث محققة. وهو على الرغم من تقدمه في العمر، الذي بدا واضحاً في لون شعره، وغضون جبينه، وتجاعيد وجهه شديد السمرة، إلا أنه كان يملك قواماً ممشوقاً يسعفه في الحركة السريعة الدؤوب، في أرجاء المحطة كشاب في مقتبل العمر. يعيش هنا منذ عديد من السنين، مع زوجته وابنته الوحيدة (فريدة) .

…أما (عبد الله إمام) عامل التلفونات فشاب لم يتجاوز الثلاثينات من عمره. ذو عينين نفاذتين، وأنف دقيق، وبشرة سمراء، له زوجة وولدان. تلتقي العائلتان في الأمسيات، في البهو الواقع أمام المبنى، خلف المحطة، ذي الواجهة الزجاجية المغلقة اتقاء البرد في الشتاء. إلا أنها لا تخفي مشهداً بديعاً أمامها، يمتد على مدى البصر، حيث السهول والبيارات، وأشجار الكينا القريبة، والورود ذات الألوان البهيجة، يتضوع أريجها عطراً في ذلك الخلاء الساحر. صحبة إجبارية أو اختيارية بين الأسرتين.. تشابه الظروف، والعيش معاً في ذات المكان .

…انطويت على نفسي، في الأيام الأولى، لا سيما في أعقاب انتهاء فترة عملي. أمكث في غرفتي وحيداً، أتأمل سقفها المرتفع، وجدرانها العالية، ذات اللون الرمادي، أنظر إلى الأفق البعيد، أو أقرأ في كتاب (العبرات) أو (الأيام)، اللذين أعارني إياهما عبد الله إمام، أو أتصفح مجلة (المصور) أو مجلة (الاثنين)، وفيهما من الصور والأخبار والقصص والنوادر، ما يشغل بعض وقتي. وإذا ما أصابني الملل، خرجت للتمشي على خط السكة الحديد عصراً، ربما حتى يعمّ الظلام. أضيق بنفسي حيناً، وأحس بالانطلاق حيناً، ويظل بعد ذلك، وقت كثير لا أعرف كيف أنفقه. أعود إلى غرفتي ذات الباب الخشبي العتيق، بصريره الحاد المثير كلما فتح أو أغلق.

روايات · الصفحة ٥٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٩٧