…كنت حريصاً على ألا أفعل شيئاً ليست راضية عنه، أو مقتنعة به. من ثم كان عليَّ الاستنجاد بمن يعينني على إقناعها. كيلا أضيف إلى همومها جديداً. في أعماقي دائماً مثال سعيد. لا أريد أن أصنع شيئاً يمكن أن يخيِّب آمالها فيَّ أنا الآخر. بل إني لأذكر تلك الحادثة التي جرت منذ زمن، حين أقنعتها الحاجة (أم سايحة) بضرورة إعطائها لسعيد (شربة زيت خروع) إثر إصابته بنوبة برد. اشتريت شربة الخروع بناء على طلبها من بقالية أبو العبد الرملاوي، وعدت فرحاً لأن (سعيد) هو الذي سوف يتجرعها، ولكنه أبى. دعت له بالنجاح والفلاح، رجته، توسلت إليه.. لكن ذلك كله لم يثن سعيداً عن موقفه الرافض. لم تجد بدّاً من تهديده.. بل ضربه كي يفعل، ولكن دون جدوى أيضاً، وكنت إبَّان ذلك، طوال الوقت أحثه على تجرع (الشربة) لأنها سوف تشفيه ..! بل أعلنت في غمرة حماس بأنني لو كنت مريضاً وطلبت إليَّ والدتي أن أشرب (الخروع) أو غيره فلن أتوانى عن ذلك. تقول له أمي عندئذ، منددة :
…- أرأيت ..؟ أخوك الصغير مستعد لشرب الزيت.. أيكون أشجع منك ..؟ الله يرضى عليك يمَّه يا أمين ويحبِّب فيك جميع خلقه ..!
…وكلما ازداد سعيد تشبثاً بالرفض، ازددت أنا مماحكة وادعاء باستعدادي لتناول (الشربة) بدلاً منه. أثناء ذلك كان يختلس النظر إليّ، وفي نظراته تهديد ووعيد.ولكني أواصل ادعائي غير آبه..! وإذا بأمي وقد أصابها اليأس من فرض الأمر على سعيد.. تلتفت إليَّ قائلة بتودد واضح :
…- خذ يمَّه اشربها انت الله يرضى عليك ياأمين.. أصلاً خسارة فيه يشربها هوَّ.. ماله في (الكويِّس) نصيب ..!
…دارت بي الأرض دورتين.. أأشرب زيت الخروع؟ هذا آخر ما كنت أتوقع ..؟ أأرفض طلب أمي ؟.. هذا أيضاً لا يصدر عني أبداً، أنا الحريص على مرضاتها على الدوام .
…تلكأت قليلاً. اكفهرَّ وجهها.. مدَّت إليَّ الكوب الكريه بيدها قائلة بحزم :
…- أمين ..؟ اشرب ..!
…وهكذا كان.. تجرعت كأس (الخروع)، ورحت ألوم نفسي على ادعائي الذي جرَّ عليَّ هذا الوبال. أما سعيد فقد رمقني بنظرة ماكرة.. كتم ضحكه وهرول بعيداً إلى خارج الدار.. !