…الحيرة تأخذ بألباب الناس جميعاً. تصرفات الانكليز هؤلاء مامن أحد يعرف مراميها. يقولون أن حزب العمال البريطاني، بزعامة وزير خارجية بريطانيا، المسمى (آرنست بيفن)، أثار انقساماً في الرأي بين أوساط الشعب الفلسطيني، في كافة أرجاء البلاد. حدث ذلك عند نقله القضية إلى هيئة الأمم المتحدة. فريق منهم يرى أن هذا الاجراء لصالح العرب، حتى لو لم يقصد الانكليز ذلك. ومنهم من يرى خلاف هذا. الأوائل يرون أن هذه الهيئة سوف تنصف الفلسطينين، فهي إنما وجدت أصلاً من أجل إنصاف الشعوب، وإزالة الظلم، وتحقيق العدالة. ولابد لها، إذن أن تنصفنا وتقرَّ حقوقنا ومطالبنا العادلة. بل يكفينا أنها سوف ترفع عنا تسلُّط الانكليز على البلاد، وسعيهم الحثيث لإقامة الوطن اليهودي على أرضنا. أجل إن خروج الانكليز، في حد ذاته مكسب عظيم. أما الأخيرون فيرون أن انسحابهم، على هذا النحو، ما هو الا مؤامرة جديدة على الشعب الفلسطيني. بريطانيا تتخلى الآن عن مسؤلياتها، بعد أن مكَّنت لليهود في الأرض، وأنجزت ما وعدهم به بلفور. لقد نفذت الشق المحقق لليهود أطماعهم، في حين تجاهلت الشق الآخر القائل (بألا يتعارض وعد بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي مع مصالح سكان البلاد الأصليين، وألا يؤثر على أوضاعهم). ويبدو الآن جلياًّ أن هذا النص لم يكن إلا ذراَّ للرماد في العيون .
…الانكليز راحلون عن البلاد على أية حال أيها الناس، ولكن. متى سيحدث ذلك؟ ما من أحد يدري.. فمتى كان هؤلاء يفصحون عن نواياهم؟ أما على صعيد العمل فلن يبقى أحد من العمال العرب، فيما يبدو، في معسكراتهم. ونحن مرغمون الآن على البحث عن عمل من جديد. وماذا عساه أن يكون بعد أن استمرأنا العمل لديهم في تلك المعسكرات. أعمارنا - أنا ورفاقي - لا تؤهلنا لأي عمل نظامي. حتى (معلمين وكلاء) في مدرسة يبنا أو قريباً منها ليس متاحاً لنا، الأمر الذي تحقق لبعض من هم أكبر منا سناَّ بعامين أو ثلاثة، لقاء أربعة جنيهات، راتباً شهرياً لواحدهم. تلك الوظيفة (عامل إشارة) في السكة الحديد، حبذا لو قبلوني لها. وهي آخر ما تقدمت إليه من بين عديد من الوظائف المحتملة، كساعي بريد، أو مفتش تذاكر في خطوط المواصلات أمي تشجعني بل تطمئنني بقولها :
…- لاتخف يا بني، الرزق على الله. سبحانه وتعالى يقول (وفي السماء زرقكم وما توعدون).
…ولكن سعيداً يقترح على أمي قائلاً :