تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…سرى النبأ في القرية سريعاً، فأثار الحزن والألم لدى أهلها قاطبة. رويت حكايات عديدة عن كيفية موته، والأسباب التي أودت بحياته. تذكرتا أيامنا الخالية معه.. المدرسة.. درس الانشاء.. كرة القدم.. المباريات مع القرى المجاورة.. رحلة البحر والحادث المشؤم.. هو ذا صبحي السيلادي مسجى أمام أنظارنا على الرمال.. الموكب الصامت في رحلة العودة للقرية إلا من صوت هدير البحر وأنسامه تعبث بأشجار الكروم المترامية من حولنا.. جسده منطوياً خلف السنام على جانبي ظهر الجمل الذي مضى يطوي الأرض وئيداً فوق الرمال ..

…هل كان موته عاقبة أحداث ذلك اليوم الأليم ؟

…بدا في مشيته المتثاقلة يومئذ متحاملاً على نفسه، يعض شفتيه ليكتم ألماً لايرغب أن يظهر عليه أحد. لم ندرك معنى ذلك حينذاك. وإن كنا سمعنا أساتذتنا فيما بعد يلغطون بهذا. يقولون الآن أن تلك الصدمة أورثته مرضاً في القلب، تفاقم مع الأيام الى أن أمسى عضالاً لاشفاء منه. ثم ها هو ذا يودي بحياته في النهاية .

…يا إلهي. هل بات أولاده موسى وفيصل وأسمهان ايتاماً مثلنا؟ حسبت أن مثلهم في منجاة من اليتم والفقر، ولهم مثله أباً. آه إن الموت ليأتي إذن عن غير طريق الانكليز واليهود أيضاً ..!

…ودَّ العديد من أهل القرية أن يشاركوا في مأتم الرجل الذي كان له الفضل في تعليم أبنائهم ذات يوم ليس ببعيد.. وفدت الى يبنا ثلاث حافلات من يافا صبيحة اليوم التالي. تدافع جمع غفير للصعود إليها في مقدمة هؤلاء المعلمون والمخاتير ووجهاء القرية. لا أدري كيف تسنى لي وبعض رفاقي أن نتسلل داخل واحدة منها .

…ما إن ابتعد الموكب عن القرية موغلاً بين بياراتها في طريقه إلى قرية (العباسية)، مسقط رأسه، حتى انهمك الكبار في الحديث عنه، ذاكرين مناقبه وسجاياه. ثم تفرعت أحاديثهم حول شؤون شتى كالمعتاد، حتى انني حسبت أنهم نسوا ماجاءوا من أجله .

…ضباب الدخان يخنق الأنفاس، ويوشك أن يحجب الرؤية عبر زجاج الحافلة. بيد أنهم يخلدون جميعاً إلى الصمت مرة واحدة. كان ذلك عندما أصبحت الحافلة على مشارف رخبوت. ثم مضت تخترق الشارع الرئيسي فيها كما يبدو. ثم مالبثوا أن شرعوا في إطلاق تعليقاتهم ونعوتهم على ماتشهد أعينهم من معالمها وقاطنيها :

….. أرايتم، هؤلاء هم اليهود.. قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.. !

….. ألم نقل أن الدنيا آخر زمن ..؟

….. ألا ترون النساء كاسيات عاريات، بلا حياء، أليس هذا من علامات الساعة..؟

روايات · الصفحة ٥٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٨٧