تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…يبدو أن الخالة أم محمد لم تخلف وعدها. فما هي إلا أيام حتى كان رجل يطرق بابنا، هو العم أبو محمد نفسه. مهيب الطلعة، ضخم الجثة عرضاً وطولاً. عليه سيما باشوات الأفلام المصرية، القليلة التي شهدناها. بزَّته البيضاء، وربطة العنق الحمراء، وطربوش قاني اللون، وسلسلة ذهبية لساعة جيب، تتدلى عند وسطه. ضمَّنا الرجل إليه واحداً واحداً. صافح والدتي مؤكداً لها أنه كان ينتظر هذه الساعة منذ زمن بعيد، ولكنها ظروف العمل والانشغال في أمور هذه الحياة الدنيا، التي لا تدع للمرء وقتاً يحقق فيه أياًّ من رغباته، حتى لقاء أحبائه وأعزائه. عرَّفنا الرجل بمنشأ أسرتنا الواحدة، التي جاءت في الأصل من مصر، ومن بلدة اسمها (أبو كبير) تحديداً. ولأنها قطنت تلك المنطقة التي نقطنها الآن من يافا، فقد أطلق عليها اسم (سكنة أبو كبير)، المعروفة به اليوم، وان تعداد أفراد العائلة أمسى كبيراً جداً.. فاللهم زد وبارك ..!

…انصرف العم أبو محمد. أحست أمي بشيء من الطمأنينة على (الأولاد)، ما دام لهم عم من هذا النوع. بيد أنها، على الرغم من ذلك لم ترتح إليه كثيراً في قرارة نفسها. الرجل من النوع المتباهي بشخصيته، بذاته وبمظهره. أي أنه ربما يكون مدَّعياً أكثر منه رجلاً واقعياً، يركن إليه عند الاقتضاء. يدل على ذلك كلامه الكثير، غير المترابط، وتركيزه على العائلة ومفاخرها.. قدراته الخاصة في التجارة والعمل. وحين جاء على ذكر العمل، توسَّمت خيراً، فألمحت إلى سعيد وأمين، علَّه يجد لهما عملاً لديه، لكنه سرعان ما انسحب بمهارة، متذرعاً بأن عمله من نوع لا يصلحان له..! (على أية حال لماذا لا ننتظر؟ وكل آت قريب. المهم أننا وجدنا أن للأولاد عماً مرموقاً في يافا.. إن هو لم ينفع فهو لن يضر ..و.. اللهم يسِّر لهم أمورهم.. وسخِّر لهم من خلقك من يعينهم.. ويقف إلى جانبهم في قادم أيامهم ..)

- 55 -

…التقيت ابن الخالة فوزي واسماعيل العطار أمام دكان (أبو حسنين) أنبأني دون أي مقدمات بأن أستاذنا شفيق موسى توفي البارحة في مشفى الدجاني بيافا. أصابني الذهول. أجل لم اصدق أن مثله يموت وهو في أوج قوته وعنفوان شبابه الذي نعرف. لقد كان ذلك مدهشاً ومفاجئاً بأكثر من قدرتي على التصور .

روايات · الصفحة ٥٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٨٦