تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…قال الشيخ علي العطار معقباً :

….. بل هن يباهين بما يعرضن كمن تأخذه العزة بالأثم..! والرجال بلا نخوة أو غيرة عليهن ….. خنازير هؤلاء اليهود ..!

…ثم مضوا، بعد أن خلفت الحافلة رخبوت وراءها يتحدثون في كل أمر خلا الأستاذ شفيق نفسه، إلى أن بلغنا مشارف العباسية .

…في ساحة واسعة الأرجاء، حيث مدرسة البلدة، تحيط بها البيارات، تحت أشجار الكينا السامقة، أقاموا مأتمهم المهيب. الذي غدا فيما بعد حديث أهل قريتنا. حتى أن بعضهم راح يبتهل إلى العلي القدير بأن يمنّ عليه بمثله يوم يلقى وجهه.. !

…غصت الساحة بالرجال. خيمَّ صمت حزين، إلا من صوت المقرئ وحركة من يقدمون القهوة. رهبة الموت والمكان وشجن الذكريات ...طفرت من عيني الدموع، أثارها صوت المقرىء مثيراً الحزن والخشوع وصورة الاستاذ شفيق تتراءى لي، كما صورة أبي مسجى، وقد أكبَّت أمي على جثمانه تبكيه. توقف المقرىء بغته عن التلاوة، حين انطلق صوت أجش لرجل يصدح بموال. كان الصوت قوياً جهورياً، بيد أنه كان مبحوحاً متحشرجاً. بدا جلياً أن الحزن قد هدَّ صاحبه هدّاً..

…أوف.. أوف.. أوف

…ياحسرتي على مين راح ومضى

…وعلى اللي ودّع احبابه ومضى

…أوف.. أوف

…شفيق زين الشباب راح ومضى

…بس ياريت مايطول الغياب ..

…لم يلتفت نحو صاحب الصوت سوانا (القادمون من يبنا).الآخرون يعرفونه، إنه الحاج موسى أبو شفيق. أحَنْوا رؤسهم مطرقين، خاشعة أبصارهم. نشيج خافت يعلو هنا وهناك.. تأوهات تندُّ عن ألم دفين، وهمهمات لاتكاد تبين :

….. أنا لله وإنا إليه راجعون

….. هذا هو حال الدنيا ..

…... الله يلهمك الصبر يا أبو شفيق .

…ارتفع صوت المقرىء من جديد يتلو آيات كريمة تحضُّ على الصبر والإيمان بقضاء الله وقدره، وتنبىء بأن هذه هي نهاية كل كائن حي على ظهر هذه الأرض. والبقاء لله وحده. هي سنته في هذا الخلق. ألا إن (كل نفس ذائقة الموت..) ألا إن (كل شيء هالك إلا وجهه..) (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور..) .

…عقب صلاة العصر، توجهنا إلى حيث تقف الحافلات بعد أن قام الرجال بتقديم العزاء لذوي الفقيد الذين وقفوا صفاً عند طرف الساحة مرددين واحداً إثر الآخر :

…عظم الله أجركم ..

…يسلم راسكم ..

…العوض بالله ياجماعة ..

روايات · الصفحة ٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٨٨