…في يوم عطلة أسبوعية، مضيت وأمي إلى يافا. الرجل الجالس وراء منضدة عتيقة، عند باب ذلك المخزن الكبير، والذي يضع على عينيه نظارتين كبيرتين، يحدق في أوراق أمامه، دلَّنا على منزل عميد تلك العائلة في يافا، واسمه (عبد المجيد أبو جابر)، الرجل يقطن حي العجمي قرب محطة إذاعة الشرق الأدنى .ينادونه (أبو محمد).
…وما هي إلا ساعة حتى اهتدينا إلى منزل أقاربنا، الذين استقبلونا بكثير من الترحاب والتكريم، ولاسيما الخالة (أم محمد). لم يكن (العم أبو محمد) ساعتئذ في المنزل. أما محمد الذي هو في مثل سني، فقد أبدى كثيراً من المودة نحوي. وحين أعلمني بأنه في السنة الدراسية الأخيرة في الثانوية العامرية، وأنه يعرف سعيد الجمل (اليبناوي)، إذ هما في الفصل الدراسي ذاته، أثار في نفسي غير قليل من الأسى." ابن عمي هذا في مثل سني.. ولأن له أباً.. كما أنه يعيش ظروفاً مختلفة، ها هو ذا يكمل تعليمه. لا شك أنه لن يشقى في البحث عن عمل. لن يدأب على التنقل من معسكر إلى معسكر.. إلى سقي البيارات في يبنا.. إلى جدّ الزيتون في كروم الرملة.. إلى.. إلى.. بل هو لن يعمل لدى الحلاق أحمد الجمل.. كما لن يحرق زيت الفلافل يده ..!".
…قبل أن ننصرف، وعدتنا الخالة بنقل خبر زيارتنا إلى زوجها، لكي يتصرف، بما يقتضيه الواجب. أضافت بأنه هو أيضاً كان يحدثها عن أقارب له في أماكن كثيرة من البلاد، ومنهم أناس في يبنا (الذين لا شك أنهم أنتم. وما عليك إلا أن تتوكلي على الله، يا حبيبتي يا عايشة.. وتطمئني بأن عمهم لن يتأخر عن الحضور إليكم هناك في أقرب وقت ..!)