تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…كان شكلي مضحكاً لشدة نحولي، في رداء الطباخين الأبيض، والقبعة البيضاء على رأسي. كان نظام المعسكر، أن نمضي فيه أربعاً وعشرين ساعة، ومثلها خارجه للراحة. تحملنا إليه سيارة عسكرية، قادمة من اسدود، تقلُّ عمَّالاً، وهي تتوقف في يبنا من أجلنا، ثم تمضي بنا إلى يافا، لتتجه بعد ذلك شرقاً إلى قرية (سلمة)، مروراً بمستعمرة يسمونها (بتاح هاتكفاه). اليهود يتجولون في طرقاتها، مشاة أو علىدراجات، أو في سيارات صغيرة، بقبعاتهم وثيابهم الغريبة. يغيظنا مرآهم. يبدو واضحاً أنهم غرباء عن هذه الأرض التي يمشون عليها. لكأنهم يطأون صدري فأوشك أن أختنق. هل مبعث إحساسي هذا وصايا أمي؟ أم هي (ريبا) تلك التي أخرجتني من معسكر قطرة بمكرها وحقدها معاً، بعد أن ألَّبت عليَّ أسيادها؟ أم هو ما قرأت عنهم، وما علَّمنا إياه الأساتذة عبد الخالق، وشاكر، وأبو العينين، وشفيق موسى؟ أم هو مقتل أبي على أيدي الانكليز، الذين لم يوجدوا هنا إلا من أجلهم؟

…الرفاق في معسكر ساكية يفكرون في اليهوديات بطريقة أخرى. وهم لا يعدمون القدرة على خلق المبررات والمسِّوغات. لقد جئن من بولونيا و روسيا و ألمانيا وبريطانيا، وأرجاء العالم كافة..(كل واحدة من بلد ..!). كل ما فيهن يشير إلى غربتهن.. نبت شيطاني غريب في غير مكانه.. كالأعشاب والحشائش الطفيلية ..! هذه التربة لا تصلح لهذا الزرع ..!

…في طريق العودة في ذلك المساء، مرت بنا السيارة في شارع يافا - تل أبيب. عند نهايته، وبداية شارع المنشية، فيما كنت أنظر إلى واجهات المحال المبهرة، واللافتات التي تعلوها، لمحت اسماً على إحداها، هو اسم عائلتنا خليل (أبوجابر). أدهشني مرأى ذلك الاسم بقدر ما أثار سروري أيضاً.

…وبعد أن مضت بنا السيارة، تنهب الطريق إلى يبنا، ساورتني أفكار شتى. أهؤلاء أقارب لنا..؟ أم هي مسألة تشابه أسماء، ليس أكثر؟ لقد حدثتنا والدتي، ذات مرة، نقلاً عن المرحوم أبي، بأن لنا أقارب في يافا أيضاً، عدا أولئك الذين في (بيت دراس) و(الفالوجة). هؤلاء الذين في يافا يقطنون حي العجمي وسكنة أبو كبير. بيد أن القدر لم يمهله، كي يوضح لها الأمر أكثر. وهي من جانبها، لم تبذل جهداً للبحث عن أولئك الأقارب. كان (ما فيها يكفيها)، وما يشغلها من شأن الأولاد ينسيها كل ما عداه. وإذ حدثتها بما رأيت، أكدت لي أن هؤلاء هم أقاربنا حقاً. كما أن علينا الآن أن نسعى للاتصال بهم والتعرف إليهم .

روايات · الصفحة ٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٨٤