…روز اليوسف.. الهلال.. مسامرات الجيب.. الاثنين.. المصور.. تحمل كل منها على غلافها وبين صفحاتها صوراً ورسوماً مبهرة.. رائحة الحبر النفاذة تفوح منها فتثير فينا البهجة. تمنيت لو أقتنيها جميعاً، ولكن (العين البصيرة واليد قصيرة) كما تقول والدتي. وحين تنبه أحمد الى شرودي وحيرتي، أدرك مابي. اقترب مني. وضع يداً حانية على كتفي، وهو يقول بصوت ودود :
…- أنت ياصديقي أمين تستطيع أن تستعير ماشئت من مكتبة (المصري). امتنعت بادىء الأمر معتذراً، بيد أنه أصرَّ على ألا أغادر مكتبته إلا وقد حملت ما أردت من محتوياتها. كان اختياري عشوائياً، إذ لم أستطع التمييز جيداً بينها. ومن ثم اقتصر ما أخذته على مجلات مسامرات الجيب، والأثنين، والمصور، بسبب الصور التي تحتويها، وجريدة الدفاع. ومن بين الكتب القليلة لديه اختار لي هو (رحلات جليفر). أما نعيم فقد حمل معه مجلة روز اليوسف وجريدة فلسطين وكتاب (روبنسن كروزو) .
…ابتهج أهل القرية بالمكتبة الجديدة. ولأن أحمد المصري يتحلى بالدماثة وخفة الظل، والقدرة على اكتساب الأصدقاء، فقد أخذ أهل القرية يؤمُّون مكتبته، ليس فقط من أجل ابتياع الصحف والمجلات، بل أيضاً لتكليفه بأداء خدمات صغيرة لهم، كقراءة (مكتوب) أو كتابة رسالة لأحدهم، أو توصيته بجلب بعض مايفتقرون إليه في بلدهم من يافا أو الرملة .
…أضحت مكتبة المصري مكان لقاءاتنا رفاق الأمس. كان يرشدنا الى كتب، ومجلات، أو كتابات بعينها، أو يسمعنا على الحاكي ذي البوق الضخم، أسطوانة لمحمد عبد الوهاب، أو أم كلثوم، أو أسمهان أو فريد الأطرش، دون غيرهم. أو يفسِّر لنا مضمون قصة أو مقالة، أو يبدي رأياً في الأحداث الجارية بين العرب والانكليز واليهود. كنا، وكذلك كان أهل القرية، ندهش لمهاراته المتعددة، وسعة اطلاعه. بل إن الكثير منهم كانوا يدعونه الى غداء أو عشاء في منازلهم، ويحيطونه بالحدب والرعاية. كان هذا دأبهم نحو (الغريب)، فيحظى بعطفهم وعونهم. وهم لايرونه غريباً إلا بمعنى غربته عن بلده وأهله، ولكنه مثلهم ينتمي الى أمتهم ذاتها، من مشرقها الى مغربها. وقد تحمل الظروف أياًّ منهم على أن يصبح غريباً مثله، من يدري ..؟