…هذه الأحداث جميعا، وعلى الرغم من خطورتها، بحيث ينبغي لها أن تشغلهم عن أي أمر محلي آخر في قريتهم، لم يتوقف الخوض، سراً وعلانية، في قضية قتلى آل النجار الثلاثة. بل إن أقوالاً أخذت تتردد في العلن - ولا يدري أحد مصدرها - عن دور لمحمد اليوسف (وجماعته) في الجريمة. أحس المخاتير ووجهاء القرية خطورة الأمر، في هذا الوقت، فجمعوا كبار رجال العائلتين، لكي ينفوا هذه الظنون، وينصرف الجميع إلى التفكير في الشأن العام، والاستعداد لمواجهة الأخطار التي تلوح في الأفق. وقد أكد بعضهم أن في الأمر سراً خفياً، ومن الخير التريث إلى أن تنجلي الحقيقة، وعندها سيكون لكل حادث حديث. لماذا لا يكون اليهود أو الانكليز هم الجناة، من أجل خلق البلبلة في صفوفنا، في هذا الوقت بالذات؟ وهم قد عودونا القيام بمثل هذا في شتى أرجاء البلاد. من المستفيد (ياجماعة) من مثل هذا الأمر.. أفلا تعقلون ..!؟.
…العبارة الأثيرة هذه، التي يطلقها الشيخ محمد عند نهاية اجتماع من هذا القبيل ..!
…جاءني نعيم عصر ذلك اليوم القائظ من شهر آب. رحِّبت به أمي. استفسرت منه عن والدته وجدِّته وأخواته. كما أبدت عتبها عليهن حيث انقطعن عنها زمناً. ثم مضت لتعدَّ لنا شاياَ .
…ضحك نعيم، وهو يضرب بكفه الثقيلة على كتفي قائلاً :
…- والله كبرنا ياولد وأصبحنا (نتضيَّف). قل لها لا أريد شاياً بل قهوة مثل الكبار ..!
دفعته في صدره مردداً :
…- كثر الله خيرها عملت لك واجب..!
…ثم لم يلبث أن فاجأني بسبب زيارته المباغته هذه، حين أخبرني عن مجيء رفيقنا أحمد المصري إلى قريتنا، لكي يقيم فيها، صحت به :
…- ماذا تقول؟ أنت تمزح كعادتك.. أحمد المصري يقيم هنا ؟
…- بل هو أيضاً قد استأجر الدكان الملاصق لدكان (معلمك) أحمد الجمل. وهو ينوي أن يجعل منه مكتبة لبيع الكتب والمجلات والجرائد. هل لديك مانع..!؟
…هرعنا معاً الى أحمد المصري. وبقدر ماكانت المفاجأة، كان سروري لمجىء أحمد المصري للاقامة بين ظهرانينا. ماإن رآنا أحمد حتى انقض علينا معانقاً، واحداً إثر الآخر، وفي عينيه ترقرقت دموع الود والمحبة .شرع يحدثنا عن مشروعه العتيد. لاسيما وأنه الأول والوحيد في بلدتنا .
…لم تمض سوى أيام قليلة حتى كانت مكتبة المصري - هكذا أسماها - حافلة بالمجلات والجرائد التي نعرف بعضها ولانعرف البعض الآخر. أخذنا نتفحصها. بل نلتهمها التهام جائع نهم .