…يبتهج الناس لهذه الأنباء، ويرددون فيما بينهم: لعل الانكليز يدركون الأن حقيقة اليهود، ومن ثم ينصفون العرب، بعد الظلم الطويل الذي أوقعته فيهم بريطانيا لصالح اليهود. كما أنهم لا يخفون سعادتهم لخلاف يقع بين الانكليز واليهود وإذا ما تفاقم ذلك الخلاف، لا بد أنه سيكون في مصلحة العرب.. حتى أن الشيخ محمد أبو العينين راح يدعو (اللهم أوقع العداوة والبغضاء بينهم) (اللهم خذ بنواصيهم فإنهم لا يعجزونك ..) سواء في خطبة الجمعة أو غيرها..!
…كان ليبنا نصيب أيضاً من هذه الهجمات. ففي ربيع هذا العام نسفت إحدى عصاباتهم محطة القطار فيها. سمعنا صوت الانفجارات عند الفجر. وقيل إنه في نفس الوقت والساعة نسفت محطة اسدود. جمهور غفير جلُّه من الغلمان واليافعين، ننطلق إلى المحطة، لنرى بأم أعيننا كيف دمر نصف المبنى القائم بين أشجار الكينا الكثيفة. كما صعَّد البريطانيون حملتهم على العصابات اليهودية. بصورة خاصة، عندما خطف اليهود عدداً من الانكليز، ولدى عمليات البحث عنهم، وجد شاويشان قد علَّقا على جذوع الأشجار، فقاموا بعمليات انتقامية، أسفرت عن مقتل العديد من اليهود، في أماكن متفرقة من البلاد. كما أن الحكومة لم تحجم هذه المرة عن إصدار أحكام بالإعدام، على قيادات تلك العصابات لأسماء ذكرتها الصحف نحفظ بعضها وننسى بعضاً، لغرابتها وصعوبة النطق بها يدعى أحدهم (اسحاق شامير) الذي يتزعم عصابة (ليحي). وآخر يدعى (مناحيم بيغن) زعيم عصابة(الأرغون) لنسفه فندق الملك داود في القدس، مودياً بحياة نحو مائة من نزلائه. ولفترة ما انتشرت عمليات إرسال الطرود البريدية، لكبار القادة الانكليز، من مدنيين وعسكريين، لاسيما بعد مقتل أكبر زعيم لعصاباتهم، ويدعى (جابوتنسكي). أسماؤهم غريبة لكن الناس يتناقلونها لكثرة ماترددت على أسماعهم .
…في الجانب العربي، وإبان هذه الأحداث تألفت الهيئة العربية العليا، بقرار من جامعة الدول العربية، في اجتماع عقد في بلودان، على أن يراسها المفتي الحاج أمين الحسيني .
…أثارت هذه الأحداث أيضاً، المخاوف في نفوس الفلسطينين في سائر أرجاء البلاد. إذ ما دام اليهود ينشطون ضد أولياء نعمتهم أنفسهم، على هذا النحو الأجرامي الحاقد، فماذا عساهم يصنعون غداً معنا نحن أعداءهم؟