…أقمنا خيمتنا. ثم انطلقت نحو السوق، تغوص في الرمال قدماي. متعة الجسد والقلب والروح السابحة في خيالٍ حالمٍ ساحر.. غير مصدق ما أرى. أضواء المصابيح والفوانيس أمام الدكاكين ترسل فحيحاً و أضواء وظلالاً. باعة الفلافل.. العوَّامة.. التمرية.. الكلاج.. تجمع الشبان أمامهم.. بعض يتناول قرطاساً في يده.. وبعض ينتظر دوره. رائحة الزيت، والحلوى تقلى، تثير الشهية.. أتقدم بدوري، وإذا بي وجهاً لوجه أمام محمد يوسف النجار، وفي يده (صحن) عوامة، تتلألأ حباتها العائمة في القطر. أهتف به :
…- أنت هنا يا محمد ..؟
…ينقض عليَّ وهو يهتف :
…- وأنت يا أمين.. متى جئتم ؟
…- قبل قليل ...
…- اين خيَّمتم ..؟
…- عند اليبانوة طبعاً.. عندكم ..
…- اراك وحدك .
…- قلت لك وصلنا للتو. وأخي سعيد انطلق يبحث عن رفاقه هو الآخر. ألم تر أحداً من … الشياطين هنا ؟
…- نعيم واسماعيل رأيتهما عصر اليوم .
…نمضي معاً في جولة بين الدكاكين والخيام، وحلقات السمر، تحت ضوء القمر، الذي بدأ يضمحل وهو ينحدر نحو المغيب.. إلى أن نبلغ مخيمنا (يبنا). وعند خيمتنا أودع محمد، ونتفق على لقاء في الغداة .
- 53 -
…مع نهاية العام وبدايات العام الجديد، أخذت الصحف واذاعة الشرق الأدنى تتحدث عن عمليات الإرهاب اليهودية ضد البريطانيين.عن عصابات (البالماخ) التي نسفت محطة للرادار في حيفا.(الأرغون وشتيرن) تهاجم المطارات في (بتاح هاتكفاه). وتضرم النار في مبان حكومية، في أماكن عديدة من البلاد. وتستولي على الناس الدهشة إذ يسمعون بأن البريطانيين يردون بإطلاق النار في شوارع تل أبيب، فيقتلون ويجرحون عدداً منهم، ثم يعلنون منع التجول الذي يتحداه اليهود، فيقتل آخرون نتيجة لذلك. أكثر من ذلك أصبح اليهود يهاجمون السجون، بغية إطلاق سراح معتقليهم. كما يهاجمون البنوك من أجل السرقة. حتى المطارات تعرضت لهجماتهم، فدمروا أعداداً من طائرات (سبتفاير) و(هاليفاكس)، كما تقول جريدة الدفاع. التي نتداولها فيما بيننا نعيم وسليمان وأنا وفوزي. وفي كل يوم يجيء دور أخدنا لدفع ثمنها.