وأشجار الكينا والزيتون والكروم، يعطر الأجواء شذى أوراقها وأشجارها ..
…تتخذ القافلة لنفسها موقعاً على الرمال، تحط عليه رحالها. يأخذ الرجال والغلمان في بناء الخيام، وإعداد أدوات المعيشة. ويهب الجوار، الذين سبقوهم إلى المكان، لمدِّيد العون لهم متطوعين، من تلقاء أنفسهم. ولا يرتدي أحد ما ألف ارتداءه. فلا قمصان ولا رباط عنق لأهل المدن.. لا كوفية ولا عقال لأهل القرى. الثياب الطويلة والجلاليب وحدها. يمشون حفاة بلا أحذية ولا نعال، فالرمال هشة ناعمة صافية كذرات الذهب، وفي نعومة الحرير. ينسون همومهم أو يتناسونها إلى حين، على مدى شهر أو يزيد. أكبر همهم ما يأكلون وما يشربون.. أين يسمرون.. وإلى متى يسهرون.. بل إن بعضهم يمضي الليل حتى مطلع الفجر، ساهراً مع الرفاق، فوق الرمال، والبحر عن كثب يرسل أنسامه الحانية .
…عند العصر تجلس النساء، لاسيما القادمات من المدن على السفح، ومن تحت أقدامهن، على مبعدة أمتار ينساب النهر، متجهاً إلى مصبه، ومن ورائه تنبسط موجات من بيارات البرتقال الخضراء على مدى البصر. الرجال ينتشرون على المقاهي، أو في مجموعات متفرقة، أمام الخيام أو بعيداً عنها. وغالباً لا بسط و لا كراسي أو مقاعد. على الرمال يجلسون.. ناعمة رقيقة كحرير دمشقي .
…أوغل الليل، حتى أوشك على الانتصاف، عند بلوغنا مشارف روبين. يسطع ضوء القمر على الرمال، التي بدت كأنها تستحم ضاحكة في نوره الملائكي. هذه تجمعات الخيام.. نمر بينها.. هذا مخيم (أهل يافا)، كما بدا من مظهر النساء ولهجة ساكنيه. وهذا مخيم (أهل اللد أو أهل الرملة). وهذا مخيم(اليبانوة).. هنا نحط الرحال. حلقات من الرجال هنا.. حلقات من النساء هناك.. بعض الحلقات تنهمك في أحاديث، وبعضها تنطلق منها أغنيات. أو عزف على العود أو الربابة.. وطبول تضبط إيقاع راقص من الشباب.. وأرغول.. وشبابة. في مكان غير بعيد إحداهن ترقص داخل خيمة، ونساء يغنين. ذكريات طفولتي تتجسد أمامي نابضة بالحياة.. أعيشها ها أنذا من جديد.. كما لو كانت بالأمس. كنا مع أبي، ولي من العمر ما لا يزيد عن ستٍّ من السنين.. أجري وراء سعيد متشبثاً بجلابيته.. وقدماي تغوصان في الرمال حتى تكاد أن تبلغ ركبتي. يشتري لي (كلاَّجاً أو عوَّامة) من قروشه القليلة، التي نقده إياها أبي، موصياً إياه بي رغم أنه لا يركن إليه، فهو لا يكبرني بأكثر من خمس سنين. والآن أمي توصيني بأحمد وعلياء ...فآه يا أبي ...!